فصل: تفسير الآيات رقم (1- 31)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


سورة الجن

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا ‏(‏1‏)‏ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ‏(‏2‏)‏ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ‏(‏3‏)‏ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ‏(‏4‏)‏ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ‏(‏5‏)‏ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ‏(‏6‏)‏ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ‏(‏7‏)‏ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ‏(‏8‏)‏ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ‏(‏9‏)‏ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ‏(‏10‏)‏ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ‏(‏11‏)‏ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ‏(‏12‏)‏ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ‏(‏13‏)‏ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ‏(‏14‏)‏ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قل أوحي‏}‏ رباعياً؛ وابن أبي عبلة والعتكي، عن أبي عمرو، وأبو أناس جوية بن عائذ الأسدي‏:‏ وحى ثلاثياً، يقال‏:‏ وحى وأوحى بمعنى واحد‏.‏ قال العجاج‏:‏ وحى إليها القرار فاستقرت‏.‏ وقرأ زيد بن عليّ وجوية، فيما روي عن الكسائي وابن أبي عبلة أيضاً‏:‏ أحى بإبدال الواو همزة، كما قالوا في وعد أعد‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة‏.‏ انتهى‏.‏ وليس كما ذكر، بل في ذلك تفصيل، وذلك أن الواو المضمومة قد تكون أولاً وحشواً وآخراً، ولكل منها أحكام، وفي بعضها خلاف وتفصيل مذكور في النحو‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وقد أطلقه المازني في المكسور أيضاً، كإشاح وإسادة وإعاء أخيه‏.‏ انتهى، وهذا تكثير وتبجح‏.‏ وكان يذكر هذا في ‏{‏وعاء أخيه‏}‏ في سورة يوسف‏.‏ وعن المازني في ذلك قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ القياس كما قال، والآخر‏:‏ قصر ذلك على السماع‏.‏

و ‏{‏أنه استمع‏}‏ في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله؛ أي استماع ‏{‏نفر من الجن‏}‏، والمشهور أن هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن‏}‏ وهي قصة واحدة‏.‏ وقيل‏:‏ قصتان، والجن الذين أتوه بمكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوي، والسورة التي استمعوها، قال عكرمة‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏ وقيل‏:‏ سورة الرحمن‏.‏ ولم تتعرض الآية، لا هنا ولا في سورة الأحقاف، إلى أنه رآهم وكلمهم عليه الصلاة والسلام‏.‏ ويظهر من الحديث «أن ذلك كان مرتين‏:‏ إحداهما‏:‏ في مبدأ مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الوقت الذي أخبر فيه عبد الله بن مسعود أنه لم يكن معه ليلة الجن، وقد كانوا فقدوه عليه الصلاة والسلام، فالتمسوه في الأودية والشعاب فلم يجدوه‏.‏ فلما أصبح، إذا هو جاء من قبل حراء، وفيه أتاني داعي الجن، فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا وأرانا آثارهم وآثار نارهم‏.‏ والمرة الآخرى‏:‏ كان معه ابن مسعود، وقد استندب صلى الله عليه وسلم من يقوم معه إلى أن يتلو القرآن على الجن، فلم يقم أحد غير عبد الله بن مسعود، فذهب معه إلى الحجون عند الشعب، فخط عليه خطاً وقال‏:‏ لا تجاوزه‏.‏ فانحدر عليه صلى الله عليه وسلم أمثال الحجر يجرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفهن حتى غشوه فلا أراه فقمت فأومأ إليّ بيده أن اجلس فتلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع واختفوا في الأرض حتى ما أراهم»‏.‏ الحديث‏.‏ ويدل على أنهما قصتان، اختلافهم في العدد، فقيل‏:‏ سبعة، وقيل‏:‏ تسعة، وعن زر‏:‏ كانوا ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين، قرية باليمن غير القرية التي بالعراق‏.‏

وعن عكرمة‏:‏ كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل، وأين سبعة من اثني عشر ألفاً‏؟‏

‏{‏فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً‏}‏‏:‏ أي قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم، ووصفوا قرآناً بقولهم ‏{‏عجباً‏}‏ وصفاً بالمصدر على سبيل المبالغة، أي هو عجب في نفسه لفصاحة كلامه، وحسن مبانيه، ودقة معانيه، وغرابة أسلوبه، وبلاغة مواعظه، وكونه مبايناً لسائر الكتب‏.‏ والعجب ما خرج عن أحد أشكاله ونظائره‏.‏ ‏{‏يهدي إلى الرشد‏}‏‏:‏ أي يدعو إلى الصواب‏.‏ وقيل‏:‏ إلى التوحيد والإيمان‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏الرشد‏}‏ بضم الراء وسكون الشين؛ وعيسى‏:‏ بضمهما؛ وعنه أيضاً‏:‏ فتحهما‏.‏ ‏{‏يهدي إلى‏}‏‏:‏ أي بالقرآن‏.‏ ولما كان الإيمان به متضمناً الإيمان بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا‏:‏ ‏{‏ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏‏.‏

وقرأ الحرميان والأبوان‏:‏ بفتح الهمزة من قوله‏:‏ ‏{‏وأنه تعالى‏}‏ وما بعده، وهي اثنتا عشرة آية آخرها ‏{‏وأنا منا المسلمون‏}‏؛ وباقي السبعة‏:‏ بالكسر‏.‏ فأما الكسر فواضح لأنها معطوفات على قوله‏:‏ ‏{‏إنا سمعنا‏}‏، فهي داخلة في معمول القول‏.‏ وأما الفتح، فقال أبو حاتم‏:‏ هو على ‏{‏أوحى‏}‏، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا لا يصح، لأن من المعطوفات ما لا يصح دخوله تحت ‏{‏أوحى‏}‏، وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم، كقوله‏:‏ ‏{‏وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع‏}‏‏.‏ ألا ترى أنه لا يلائم ‏{‏أوحى إليّ‏}‏، ‏{‏إنا كنا نقعد منها مقاعد‏}‏، وكذلك باقيها‏؟‏ وخرجت قراءة الفتح على أن تلك كلها معطوفة على الضمير المجرور في به من قوله‏:‏ ‏{‏فآمنا به‏}‏‏:‏ أي وبأنه، وكذلك باقيها، وهذا جائز على مذهب الكوفيين، وهو الصحيح‏.‏ وقد تقدم احتجاجنا على صحة ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وكفر به والمسجد الحرام‏}‏ وقال مكي‏:‏ هو أجود في أن منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ وجهه أن يكون محمولاً على آمنا به، لأنه معناه‏:‏ صدقناه وعلمناه، فيكون المعنى‏:‏ فآمنا به أنه تعالى جد ربنا؛ وسبقه إلى نحوه الفراء قال‏:‏ فتحت أن لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض، فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح أن نحو‏:‏ صدقنا وشهدنا‏.‏

وأشار الفراء إلى أن بعض ما فتح لا يناسب تسليط آمنا عليه، نحو قوله‏:‏ ‏{‏وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً‏}‏، وتبعهما الزمخشري فقال‏:‏ ومن فتح كلهن فعطفاً على محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه قيل‏:‏ صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي‏.‏ انتهى‏.‏ ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه آمنا‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏جد ربنا‏}‏، بفتح الجيم ورفع الدال، مضافاً إلى ربنا‏:‏ أي عظمته، قاله الجمهور‏.‏ وقال أنس والحسن‏:‏ غناه‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ذكره‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ قدره وأمره‏.‏ وقرأ عكرمة‏:‏ جد منوباً، ربنا مرفوع الباء، كأنه قال‏:‏ عظيم هو ربنا، فربنا بدل، والجد في اللغة العظيم‏.‏ وقرأ حميد بن قيس‏:‏ جد بضم الجيم مضافاً ومعناه العظيم، حكاه سيبويه، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى‏:‏ تعالى ربنا العظيم‏.‏ وقرأ عكرمة‏:‏ جداً ربنا، بفتح الجيم والدال منوناً، ورفع ربنا وانتصب جداً على التمييز المنقول من الفاعل، أصله ‏{‏تعالى جد ربنا‏}‏‏.‏ وقرأ قتادة وعكرمة أيضاً‏:‏ جداً بكسر الجيم والتنوين نصباً، ربنا رفع‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ نصب جداً على الحال، ومعناه‏:‏ تعالى حقيقة ومتمكناً‏.‏ وقال غيره‏:‏ هو صفة لمصدر محذوف تقديره‏:‏ تعاليا جداً، وربنا مرفوع بتعالى‏.‏ وقرأ ابن السميفع‏:‏ جدي ربنا، أي جدواه ونفعه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يقول سفيهنا‏}‏‏:‏ هو إبليس‏.‏ وقيل‏:‏ هو اسم جنس لكل سفيه، وإبليس مقدم السفهاء‏.‏ والشطط‏:‏ التعدي وتجاوز الجد‏.‏ قال الأعشى‏:‏

أينتهون ولن ينهى ذوو شطط *** كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

ويقال‏:‏ أشط في السوم إذا أبعد فيه، أي قولا هو في نفسه شطط، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى‏.‏ ‏{‏وأنا ظننا‏}‏ الآية‏:‏ أي كنا حسنا الظن بالإنس والجن، واعتقدنا أن أحداً لا يجترئ على أن يكذب على الله فينسب إليه الصاحبة والولد، فاعتقدنا صحة ما أغوانا به إبليس ومردته حتى سمعنا القرآن فتبينا كذبهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أن لن تقول‏}‏ مضارع قال؛ والحسن والجحدري وعبد الرحمن بن أبي بكرة ويعقوب وابن مقسم‏:‏ تقول مضارع تتقول، حذفت إحدى التاءين وانتصب ‏{‏كذباً‏}‏ في قراءة الجمهور بتقول، لأن الكذب نوع من القول، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قولا كذباً، أي مكذوباً فيه‏.‏ وفي قراءة الشاذ على أنه مصدر لتقول، لأنه هو الكذب، فصار كقعدت جلوساً‏.‏

‏{‏وأنه كان رجال‏}‏‏.‏ روى الجمهور أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في وادٍ نادى بأعلى صوته‏:‏ يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه‏.‏ فروي أن الجن كانت تقول عند ذلك‏:‏ لا نملك لكم ولا لأنفسنا من الله شيئاً‏.‏ قال مقاتل‏:‏ أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن، ثم بنو حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب‏.‏ والظاهر أن الضمير المرفوع في ‏{‏فزادوهم‏}‏ عائد على ‏{‏رجال من الإنس‏}‏، إذ هم المحدث عنهم، وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير‏.‏ ‏{‏فزادوهم‏}‏ أي الإنس، ‏{‏رهقاً‏}‏‏:‏ أي جراءة وانتخاءً وطغياناً وغشيان المحارم وإعجاباً بحيث قالوا‏:‏ سدنا الإنس والجن، وفسر قوم الرهق بالإثم‏.‏ وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى‏:‏

لا شيء ينفعني من دون رؤيتها *** لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً

قال معناه‏:‏ ما لم يغش محرماً، والمعنى‏:‏ زادت الإنس الجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله تعالى‏.‏

وقال قتادة وأبو العالية والربيع وابن زيد‏:‏ ‏{‏فزادوهم‏}‏، أي الجن زادت الإنس مخافة يتخيلون لهم بمنتهى طاقتهم ويغوونهم لما رأوا من خفة أحلامهم، فازدروهم واحتقروهم‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ ‏{‏رهقاً‏}‏‏:‏ كفراً‏.‏ وقيل‏:‏ لا يطلق لفظ الرجال على الجن، فالمعنى‏:‏ وإنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس، وكان الرجل يقول مثلاً‏:‏ أعوذ بحذيفة بن اليمان من جن هذا الوادي، وهذا قول غريب‏.‏ ‏{‏وإنهم‏}‏‏:‏ أي كفار الإنس، ‏{‏ظنوا كما ظننتم‏}‏ أيها الجن، يخاطب به بعضهم بعضاً‏.‏ وظنوا وظننتم، كل منهما يطلب، ‏{‏أن لن يبعث‏}‏، فالمسألة من باب الإعمال، وإن هي المخففة من الثقيلة‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في وأنهم يعود على الجن، والخطاب في ظننتم لقريش، وهذه والتي قبلها هما من الموحى به لا من كلام الجن‏:‏ ‏{‏أن لن يبعث الله أحداً‏}‏‏:‏ الظاهر أنه بعثة الرسالة إلى الخلق، وهو أنسب لما تقدم من الآي ولما تأخر‏.‏ وقيل‏:‏ بعث القيامة‏.‏ ‏{‏وأنا لمسنا السماء‏}‏‏:‏ أصل اللمس المس، ثم استعير للتطلب، والمعنى‏:‏ طلبنا بلوغ السماء لاستماع كلام أهلها فوجدناها ملئت‏.‏ الظاهر أن وجد هنا بمعنى صادف وأصاب وتعدت إلى واحد، والجملة من ‏{‏ملئت‏}‏ في موضع الحال، وأجيز أن تكون تعدت إلى اثنين، فملئت في موضع المفعول الثاني‏.‏ وقرأ الأعرج‏:‏ مليت بالياء دون همز، والجمهور‏:‏ بالهمز، وشديداً‏:‏ صفة للحرس على اللفظ لأنه اسم جمع، كما قال‏:‏

أخشى رجيلاً أو ركيباً عادياً *** ولو لحظ المعنى لقال‏:‏ شداداً بالجمع‏.‏ والظاهر أن المراد بالحرس‏:‏ الملائكة، أي حافظين من أن تقربها الشياطين، وشهباً جمع شهاب، وهو ما يرحم به الشياطين إذا استمعوا‏.‏ قيل‏:‏ ويحتمل أن يكون الشهب هم الحرس، وكرر المعنى لما اختلف اللفظ نحو‏:‏

وهند أتى من دونها النأي والبعد *** وقوله‏:‏ ‏{‏فوجدناها ملئت‏}‏ يدل على أنها كانت قبل ذلك يطرقون السماء ولا يجدونها قد ملئت‏.‏ ‏{‏مقاعد‏}‏ جمع مقعد، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قعود الجن أنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان الكلمة مائة كذبة‏.‏ ‏{‏فمن يستمع الأن‏}‏، الآن ظرف زمان للحال، ويستمع مستقبل، فاتسع في الظرف واستعمل للاستقبال، كما قال‏:‏

سأسعى الآن إذ بلغت اناها *** فالمعنى‏:‏ فمن يقع منه استماع في الزمان الآتي، ‏{‏يجد له شهاباً رصداً‏}‏‏:‏ أي يرصده فيحرقه، هذا لمن استمع‏.‏ وأما السمع فقد انقطع، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنهم عن السمع لمعزولون‏}‏ والرجم كان في الجاهلية، وذلك مذكور في أشعارهم، ويدل عليه الحديث ‏"‏ حين رأى عليه الصلاة والسلام نجماً قد رمي به، قال‏:‏ «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية»‏؟‏ قالوا‏:‏ كنا نقول‏:‏ يموت عظيم أو يولد عظيم ‏"‏

قال أوس بن حجر‏:‏

وانقض كالدري يتبعه *** نقع يثور بحالة طنبا

وقال عوف بن الجزع‏:‏

فرد علينا العير من دون إلفه *** أو الثور كالدري يتبعه الدم

وقال بشر بن أبي حازم‏:‏

والعير يرهقها الغبار وجحشها *** ينقض خلفهما انقضاض الكوكب

قال التبريزي‏:‏ وهؤلاء الشعراء كلهم جاهليون ليس فيهم محضرم، وقال معمر‏:‏ قلت للزهري‏:‏ أكان يرمي بالنجوم في الجاهلي‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قلت‏:‏ أرأيت قوله‏:‏ ‏{‏وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع‏}‏‏؟‏ فقال‏:‏ غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الجاحظ‏:‏ القول بالرمي أصح لقوله‏:‏ ‏{‏فوجدناها ملئت‏}‏، وهذا إخبار عن الجن أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت، ولما روى ابن عباس وذكر الحديث السابق‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ تابعاً للجاحظ، وفي قوله دليل على أن الحرس هو الملء والكثرة، فلذلك ‏{‏نقعد منها مقاعد‏}‏‏:‏ أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا كله يبطل قول من قال‏:‏ إن الرجم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إحدى آياته‏.‏ والظاهر أن رصداً على معنى‏:‏ ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع‏.‏

ولما رأوا ما حدث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قالوا‏:‏ ‏{‏وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض‏}‏، وهو كفرهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل بهم الشر، ‏{‏أم أراد بهم ربهم رشداً‏}‏، فيؤمنون به فيرشدون‏.‏ وحين ذكروا الشر لم يسندوه إلى الله تعالى، وحين ذكروا الرشد أسندوه إليه تعالى‏.‏ ‏{‏وأنا منا الصالحون‏}‏‏:‏ أخبروا بما هم عليه من صلاح وغيره‏.‏ ‏{‏ومنا دون ذلك‏}‏‏:‏ أي دون الصالحين، ويقع دون في مواضع موقع غير، فكأنه قال‏:‏ ومنا غير صالحين‏.‏ ويجوز أن يريدوا‏:‏ ومنا دون ذلك في الصلاح، أي فيهم أبرار وفيهم من هو غير كامل في الصلاح، ودون في موضع الصفة لمحذوف، أي ومنا قوم دون ذلك‏.‏ ويجوز حذف هذا الموصوف في التفصيل بمن، حتى في الجمل، قالوا‏:‏ منا ظعن ومنا أقام، يريدون‏:‏ منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، والجملة من قوله‏:‏ ‏{‏كنا طرائق قدداً‏}‏ تفسير للقسمة المتقدمة‏.‏ قال ابن عباس وعكرمة وقتادة‏:‏ أهواء مختلفة، وقيل‏:‏ فرقاً مختلفة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أي كنا ذوي مذاهب مختلفة، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة، أو كنا في طرائق مختلفة كقوله‏:‏

كما عسل الطريق الثعلب *** أو كانت طرائقنا قدداً على حذف المضاف الذي هو الطرائق، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه‏.‏ انتهى‏.‏ وفي تقديريه الأولين حذف المضاف من طرائق وإقامة المضاف إليه مقامه، إذ حذف ذوي ومثل‏.‏ وأما التقدير الثالث، وهو أن ينتصب على إسقاط في، فلا يجوز ذلك إلا في الضرورة، وقد نص سيبويه على أن عسل الطريق شاذ، فلا يخرج القرآن عليه‏.‏

‏{‏وأنا ظننا أن لن نعجز الله‏}‏‏:‏ أي أيقنا، ‏{‏في الأرض‏}‏‏:‏ أي كائنين في الأرض، ‏{‏ولن نعجزه هرباً‏}‏‏:‏ أي من الأرض إلى السماء، وفي الأرض وهرباً حالان، أي فارين أو هاربين‏.‏ ‏{‏وأنا لما سمعنا الهدى‏}‏‏:‏ وهو القرآن، ‏{‏آمنا به‏}‏‏:‏ أي بالقرآن، ‏{‏فمن يؤمن بربه فلا يخاف‏}‏‏:‏ أي فهو لا يخاف‏.‏ وقرأ ابن وثاب والأعمش والجمهور‏:‏ ‏{‏فلا يخاف‏}‏، وخرجت قراءتهما على النفي‏.‏ وقيل‏:‏ الفاء زائدة ولا نفي وليس بشيء، وكان الجواب بالفاء أجود من المجيء بالفعل مجزوماً دون الفاء، لأنه إذا كان بالفاء كان إضمار مبتدأ، أي فهو لا يخاف‏.‏ والجملة الاسمية أدل وآكد من الفعلية على تحقق مضمون الجملة‏.‏ ‏{‏بخساً‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ نقص الحسنات، ‏{‏ولا رهقاً‏}‏، قال‏:‏ زيادة في السيئات، ‏{‏ولا رهقاً‏}‏، قيل‏:‏ تحميل ما لا يطاق‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أي جزاء بخس ولا رهق، لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، فلا يخاف جزاءهما‏.‏ ويجوز أن يراد‏:‏ فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى، ولا أن ترهقه ذلة من قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ترهقهم ذلة‏}‏ انتهى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بخساً‏}‏ بسكون الخاء؛ وابن وثاب‏:‏ بفتحها‏.‏ ‏{‏ومنا القاسطون‏}‏‏:‏ أي الكافرون الجائزون عن الحق‏.‏ قال مجاهد وقتادة‏:‏ والبأس القاسط‏:‏ الظالم، ومنه قول الشاعر‏:‏

قوم هم قتلوا ابن هند عنوة *** وهمو اقسطوا على النعمان

وجاء هذا التقسيم، وإن كان قد تقدم ‏{‏وأنا منا الصالحون‏}‏، ومنا دون ذلك ليذكر حال الفريقين من النجاة والهلكة ويرغب من يدخل في الإسلام‏.‏ والظاهر أن ‏{‏فمن أسلم‏}‏ إلى آخر الشرطين من كلام الجن‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ الوجه أن يكون ‏{‏فمن أسلم‏}‏ مخاطبة من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعد من الآيات‏.‏ وقرأ الأعرج‏:‏ رشداً، بضم الراء وسكون الشين؛ والجمهور‏:‏ بفتحهما‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقد زعم من لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم، وكفى به وعيداً، أي فأولئك تحروا رشداً، فذكر سبب الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد‏.‏ انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال في قوله وموجبه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 28‏]‏

‏{‏وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ‏(‏16‏)‏ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ‏(‏17‏)‏ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ‏(‏18‏)‏ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ‏(‏19‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ‏(‏20‏)‏ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ‏(‏21‏)‏ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ‏(‏22‏)‏ إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ‏(‏23‏)‏ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ‏(‏24‏)‏ قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ‏(‏25‏)‏ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ‏(‏26‏)‏ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ‏(‏27‏)‏ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

هذا من جملة الموحى المندرج تحت ‏{‏أوحى إليّ‏}‏، وأن مخففة من الثقيلة، والضمير في ‏{‏استقاموا‏}‏، قال الضحاك والربيع بن أنس وزيد بن أسلم وأبو مجلز‏:‏ هو عائد على قوله‏:‏ ‏{‏فمن أسلم‏}‏، والطريقة‏:‏ طريقة الكفر، أي لو كفر من أسلم من الناس ‏{‏لأسقيناهم‏}‏ إملاء لهم واستدراجاً واستعارة، الاستقامة للكفر قلقة لا تناسب‏.‏ وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جبير‏:‏ هو عائد على القاسطين، والمعنى على الطريقة الإسلام والحق، لأنعمنا عليهم، نحو قوله‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا‏}‏ وقيل‏:‏ الضمير في استقاموا عائد على الخلق كلهم، وأن هي المخففة من الثقيلة‏.‏ ‏{‏لأسقيناهم ماء غدقاً‏}‏‏:‏ كناية عن توسعة الرزق لأنه أصل المعاش‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ المال حيث الماء‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏غدقاً‏}‏ بفتح الدال؛ وعاصم في رواية الأعشى‏:‏ بكسرها؛ ويقال‏:‏ غدقت العين تغدق غدقاً فهي غدقة، إذا كثر ماؤها‏.‏ ‏{‏لنفتنهم‏}‏‏:‏ أي لنختبرهم كيف يشكرون ما أنعم عليهم به، أو لنمتحنهم ونستدرجهم، وذلك على الخلاف في من يعود عليه الضمير في ‏{‏استقاموا‏}‏‏.‏ وقرأ الأعمش وابن وثاب بضم واو لو؛ والجمهور‏:‏ بكسرها‏.‏ وقرأ الكوفيون‏:‏ ‏{‏يسلكه‏}‏ بالياء؛ وباقي السبعة‏:‏ بالنون؛ وابن جندب‏:‏ بالنون من أسلك؛ وبعض التابعين‏:‏ بالياء من أسلك أيضاً، وهما لغتان‏:‏ سلك وأسلك، قال الشاعر‏:‏

حتى إذا أسلكوهم في قبائدة *** وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏صعداً‏}‏ بفتحتين، وذو مصدر صعد وصف به العذاب، أي يعلو المعذب ويغلبه، وفسر بشاق‏.‏ يقال‏:‏ فلان في صعد من أمره، أي في مشقة‏.‏ وقال عمر‏:‏ ما يتصعد بي شيء كما يتصعد في خطبة النكاح، أي ما يشق عليّ‏.‏ وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس‏:‏ صعد‏:‏ جبل في النار‏.‏ وقال الخدري‏:‏ كلما وضعوا أيديهم عليه ذابت‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم، فعلى هذا يجوز أن يكون بدلاً من عذاب على حذف مضاف، أي عذاب صعد‏.‏ ويجوز أن يكون صعداً مفعول يسلكه، وعذاباً مفعول من أجله‏.‏ وقرأ قوم‏:‏ صعداً بضمتين؛ وابن عباس والحسن‏:‏ بضم الصاد وفتح العين‏.‏ قال الحسن‏:‏ معناه لا راحة فيه‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وأن المساجد‏}‏، بفتح الهمزة عطفاً على ‏{‏أنه استمع‏}‏، فهو من جملة الموحى‏.‏ وقال الخليل‏:‏ معنى الآية‏:‏ ‏{‏وأن المساجد لله فلا تدعوا‏}‏‏:‏ أي لهذا السبب، وكذلك عنده ‏{‏لإيلاف قريش‏}‏ ‏{‏فليعبدوا‏}‏ وكذلك ‏{‏وأن هذه أمتكم‏}‏ أي ولأن هذه‏.‏ وقرأ ابن هرمز وطلحة‏:‏ وإن المساجد، بكسرها على الاستئناف وعلى تقدير الخليل، فالمعنى‏:‏ فلا تدعوا مع الله أحداً في المساجد لأنها لله خاصة ولعبادته، والظاهر أن المساجد هي البيوت المعدة للصلاة والعبادة في كل ملة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كل موضع سجد فيه فهو مسجد، كان مخصوصاً لذلك أو لم يكن، لأن الأرض كلها مسجد هذه الأمة‏.‏

وأبعد ابن عطاء في قوله إنها الآراب التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح الجيم، وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان عد الجبهة والأنف واحداً وأبعد أيضاً من قال المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد، وقال‏:‏ إنه جمع مسجد وهو السجود‏.‏ وروي أنها نزلت حين تغلبت قريش على الكعبة، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ المواضع كلها لله، فاعبده حيث كنت‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ نزلت لأن الجن قالت‏:‏ يا رسول الله، كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك‏؟‏ فنزلت الآية ليخاطبهم على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة إذ دخلنا المساجد‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وأنه لما قام عبد الله‏}‏ بفتح الهمزة، عطفاً على قراءتهم ‏{‏وأن المساجد‏}‏ بالفتح‏.‏ وقرأ ابن هرمز وطلحة ونافع وأبو بكر‏.‏ بكسرها على الاستئناف؛ وعبد الله هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏{‏يدعوه‏}‏‏:‏ أي يدعو الله ‏{‏كادوا‏}‏‏:‏ أي كاد الجن، قال ابن عباس والضحاك‏:‏ ينقضون عليه لاستماع القرآن‏.‏ وقال الحسن وقتادة‏:‏ الضمير في ‏{‏كادوا‏}‏ لكفار قريش والعرب في اجتماعهم على رد أمره‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ المعنى أنها قول الجن لقومهم يحكمون، والضمير في ‏{‏كادوا‏}‏ لأصحابة الذين يطوعون له ويقيدون به في الصلاة‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ هلا قيل رسول الله أو النبي‏؟‏ قلت‏:‏ لأن تقديره وأوحي إليّ أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه، جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل؛ أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله لله ليست بأمر مستعبد عن العقل ولا مستنكر حتى يكونوا عليه لبداً‏.‏ ومعنى قام يدعوه‏:‏ قام يعبده، يريد قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن، فاستمعوا لقراءته عليه السلام‏.‏ ‏{‏كادوا يكونون عليه لبداً‏}‏‏:‏ أي يزدحمون عليه متراكمين، تعجباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً وساجداً، وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره‏.‏ انتهى، وهو قول متقدم كثره الزمخشري بخطابته‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لبداً‏}‏ بكسر اللام وفتح الباء جمع لبدة، نحو‏:‏ كسرة وكسر، وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد مناف بن ربيع‏:‏

صافوا بستة أبيات وأربعة *** حتى كأن عليهم جانباً لبداً

وقال ابن عباس‏:‏ أعواناً‏.‏ وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر‏:‏ بخلاف عنه بضم اللام جمع لبدة، كزبرة وزبر؛ وعن ابن محيصن أيضاً‏:‏ تسكين الباء وضم اللام لبداً‏.‏ وقرأ الحسن والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو‏:‏ بضمتين جمع لبد، كرهن ورهن، أو جمع لبود، كصبور وصبر‏.‏ وقرأ الحسن والجحدري‏:‏ بخلاف عنهما، لبداً بضم اللام وشد الباء المفتوحة‏.‏ قال الحسن وقتادة وابن زيد‏:‏ لما قام الرسول للدعوة، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره‏.‏

انتهى‏.‏ وأبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام، كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه الله منهم، قاله الحسن‏.‏ وأبعد منه قول من قال إنه عبد الله بن سلام‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ قال إنما أدعوا ربي‏:‏ أي أعبده، أي قال للمتظاهرين عليه‏:‏ ‏{‏إنما ادعوا ربي‏}‏‏:‏ أي لم آتكم بأمر ينكر، إنما أعبد ربي وحده، وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على عداوتي‏.‏ أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين‏:‏ ليس ما ترون من عبادة الله بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن يعبد غيره‏.‏ أو قال الجن لقومهم‏:‏ ذلك حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كله مرتب على الخلاف في عود الضمير في ‏{‏كادوا‏}‏‏.‏ وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بخلاف عنه‏:‏ ‏{‏قل‏}‏‏:‏ أي قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك، وهم إما الجن وإما المشركون، على اختلاف القولين في ضمير ‏{‏كادوا‏}‏‏.‏

ثم أمره تعالى أن يقول لهم ما يدل على تبرئه من القدرة على إيصال خير أو شر إليهم، وجعل الضر مقابلاً للرشد تعبيراً به عن الغي، إذ الغي ثمرته الضرر، يمكن أن يكون المعنى‏:‏ ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً، فحذف من كل ما يدل عليه مقابله‏.‏ قرأ الأعرج‏:‏ رشداً بضمتين‏.‏ ولما تبرأ عليه السلام من قدرته على نفعهم وضرهم، أمر بأن يخبرهم بأنه مربوب لله تعالى، يفعل فيه ربه ما يريد، وأنه لا يمكن أن يجيره منه أحد، ولا يجد من دونه ملجأ يركن إليه، قال قريباً منه قتادة‏.‏ وقال السدي‏:‏ حرزاً‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ مدخلاً في الأرض، وقيل‏:‏ ناصراً، وقيل‏:‏ مذهباً ومسلكاً، ومنه قول الشاعر‏:‏

يا لهف نفسي ونفسي غير مجدية *** عني وما من قضاء الله ملتحد

وقيل‏:‏ في الكلام حذف وهو‏:‏ قالوا له أترك ما ندعو إليه ونحن نجيرك، فقيل له‏:‏ قل لن يجيرني‏.‏ وقيل‏:‏ هو جواب لقول وردان سيد الجن، وقد ازدحموا عليه، قال وردان‏:‏ أنا أرحلهم عنك، فقال‏:‏ إني لن يجبرني أحد، ذكره الماوردي‏.‏ ‏{‏إلا بلاغاً‏}‏، قال الحسن‏:‏ هو استثناء منقطع، أي لن يجيرني أحد، لكن إن بلغت رحمني بذلك‏.‏ والإجارة للبلاغ مستعارة، إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته‏.‏ وقيل على هذا المعنى‏:‏ هو استثناء متصل، أي لن يجيرني في أحد، لكن لم أجد شيئاً أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيزني الله، فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحداً وعلى البدل وهو الوجه، لأن ما قبله نفياً، وعلى البدل خرجه الزجاج‏.‏ وقال أبو عبد الله الرازي‏:‏ هذا الاستثناء منقطع، لأنه لم يقل‏:‏ ولم أجد ملتحداً بل، قال‏:‏ ‏{‏من دونه‏}‏؛ والبلاغ من الله لا يكون داخلاً تحت قوله‏:‏ ‏{‏من دونه ملتحداً‏}‏ لأنه لا يكون من دون الله، بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه‏.‏

وقال قتادة‏:‏ التقدير لا أملك إلا بلاغاً إليكم، فأما الإيمان والكفر فلا أملك‏.‏ انتهى، وفيه بعد لطول الفصل بينهما‏.‏ وقيل، إلا في تقدير الانفصال‏:‏ إن شرطية ولا نافية، وحذف فعلها لدلالة المصدر عليه، والتقدير‏:‏ إن لم أبلغ بلاغاً من الله ورسالته، وهذا كما تقول‏:‏ إن لا قياماً قعوداً، أي إن لم تقيم قياماً فاقعد قعوداً، وحذف هذا الفعل قد يكون لدلالة عليه بعده أو قبله، كما حذف في قوله‏:‏

فطلقها فلست لها بكفء *** وإلا يعل مفرقك الحسام

التقدير‏:‏ وإن لا تطقها، فحذف تطلقها لدلالة فطلقها عليه، ومن لابتداء الغاية‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ تابعاً لقتادة، أي لا أملك إلا بلاغاً من الله، و‏{‏قل إني لن يجيرني‏}‏‏:‏ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه على معنى إن الله إن أراد به سوءاً من مرض أو موت أو غيرهما لم يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذاً يأوي إليه‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏ورسالاته‏}‏، قيل‏:‏ عطف على ‏{‏بلاغاً‏}‏، أي إلا أن أبلغ عن الله، أو أبلغ رسالاته‏.‏ الظاهر أن رسالاته عطف على الله، أي إلا أن أبلغ عن الله وعن رسالاته‏.‏ ‏{‏ومن يعص الله ورسوله‏}‏‏:‏ أي بالشرك والكفر، ويدل عليه قوله‏:‏ ‏{‏خالدين فيها أبداً‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فإن له‏}‏ بكسر الهمزة‏.‏ وقرأ طلحة‏:‏ بفتحها، والتقدير‏:‏ فجزاؤه أن له‏.‏ قال ابن خالويه‏:‏ وسمعت ابن مجاهد يقول‏:‏ ما قرأ به أحد وهو لحن، لأنه بعد فاء الشرط‏.‏ وسمعت ابن الأنباري يقول‏:‏ هو ضراب، ومعناه‏:‏ فجزاؤه أن له نار جهنم‏.‏ انتهى‏.‏ وكان ابن مجاهد إماماً في القراءات، ولم يكن متسع النقل فيها كابن شنبوذ، وكان ضعيفاً في النحو‏.‏ وكيف يقول ما قرأ به أحد‏؟‏ وهذا كطلحة بن مصرّف قرأ به‏.‏ وكيف يقول وهو لحن‏؟‏ والنحويون قد نصوا على أن إن بعد فاء الشرط يجوز فيها الفتح والكسر‏.‏ وجمع ‏{‏خالدين‏}‏ حملاً على معنى من، وذلك بعد الحمل على لفظ من في قوله‏:‏ ‏{‏يعص‏}‏، ‏{‏فإن له‏}‏‏.‏

‏{‏حتى إذا رأوا‏}‏‏:‏ حتى هنا حرف ابتداء، أي يصلح أن يجيء بعدها جملة الابتداء والخبر، ومع ذلك فيها معنى الغاية‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ بم تعلق حتى وجعل ما بعده غاية له‏؟‏ قلت‏:‏ بقوله ‏{‏يكونون عليه لبداً‏}‏، على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم ‏{‏حتى إذا رأوا ما يوعدون‏}‏ من يوم بدر، وإظهار الله له عليهم، أو من يوم القيامة، ‏{‏فسيعلمون‏}‏ حينئذ أنهم ‏{‏أضعف ناصراً وأقل عدداً‏}‏‏.‏ ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه لا يزالون على ما هم عليه ‏{‏حتى إذا رأوا ما يوعدون‏}‏‏.‏

قال المشركون‏:‏ متى يكون هذا الموعد إنكاراً له‏؟‏ فقيل‏:‏ قل إنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه، فإن الله قد وعد ذلك، وهو لا يخلف الميعاد‏.‏ وأما وقته فلا أدري متى يكون، لأن الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة‏.‏ انتهى‏.‏ وقوله‏:‏ بم تعلق إن‏؟‏ عنى تعلق حرف الجر، فليس بصحيح لأنها حرف ابتداء، فما بعدها ليس في موضع جر خلافاً للزجاج وابن درستوية، فإنهما زعما أنها إذا كانت حرف ابتداء، فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر؛ وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها، وكون ما بعدها غاية لما قبلها، فهو صحيح‏.‏ وأما تقديره أنها تتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏يكونون عليه لبداً‏}‏، فهو بعيد جداً لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة‏.‏ وقال التبريزي‏:‏ حتى جاز أن تكون غاية لمحذوف، ولم يبين ما المحذوف‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى دعهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من الساعة، ‏{‏فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً‏}‏، أهم أم أهل الكتاب‏؟‏ والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم بكينونة النار لهم، كأنه قيل‏:‏ إن العاصي يحكم له بكينونة النار لهم، والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فسيعلمون‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏فأن له نار جهنم‏}‏ هو وعيد لهم بالنار، ومن أضعف مبتدأ وخبر في موضع نصب لما قبله، وهو معلق عنه لأن من استفهام‏.‏ ويجوز أن تكون من موصولة في موضع نصب بسيعلمون، وأضعف خبر مبتدأ محذوف‏.‏ والجملة صلة لمن، وتقديره‏:‏ هو أضعف، وحسن حذفه طول الصلة بالمعمول وهو ناصراً‏.‏ قال مكحول‏:‏ لم ينزل هذا إلا في الجن، أسلم منهم من وفق وكفر من خذل كالإنس، قال‏:‏ وبلغ من تابع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن سبعين ألفاً، وفزعوا عند انشقاق الفجر‏.‏ ثم أمره تعالى أن يقول لهم إنه لا يدري وقت طول ما وعدوا به، أهو قريب أم بعيد‏؟‏‏.‏

قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ ما معنى قوله‏:‏ ‏{‏أم يجعل له ربي أمداً‏}‏، والأمد يكون قريباً وبعيداً‏؟‏ ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً‏}‏‏؟‏ قلت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، فكأنه قال‏:‏ «ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية»‏؟‏ أي هو عالم الغيب‏.‏ ‏{‏فلا يظهر‏}‏‏:‏ فلا يطلع، و‏{‏من رسول‏}‏ تبيين لمن ارتضى، يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضي الذي هو مصطفى للنبوّة خاصة، لا كل مرتضي، وفي هذه إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم، وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل‏.‏ وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط‏.‏

انتهى‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏عالم الغيب‏}‏، قال الحسن‏:‏ ما غاب عن خلقه، وقيل‏:‏ الساعة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إلا بمعنى لكن، فجعله استثناء منقطعاً‏.‏ وقيل‏:‏ إلا بمعنى ولا أي، ولا من ارتضى من رسول وعالم خبر مبتدأ محذوف، أي هو عالم الغيب، أو بدل من ربي‏.‏ وقرئ‏:‏ عالم بالنصب على المدح‏.‏ وقال السدّي‏:‏ علم الغيب، فعلاً ماضياً ناصباً، والجمهور‏:‏ عالم الغيب اسم فاعل مرفوعاً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فلا يظهر‏}‏ من أظهر؛ والحسن‏:‏ يظهر بفتح الياء والهاء من ظهر، ‏{‏إلا من ارتضى من رسول‏}‏‏:‏ استثناء من أحداً، أي فإنه يظهره على ما يشاء من ذلك، فإنه يسلك الله من بين يدي ذلك الرسول، ‏{‏ومن خلفه رصداً‏}‏‏:‏ أي حفظة يحفظونه من الجن ويحرسونه في ضبط ما يلقيه تعالى إلى ذلك الرسول من علم الغيب‏.‏ وعن الضحاك‏:‏ ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ قال العلماء‏:‏ لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم، ثم ذكر استدلالاً على بطلان ما يقوله المنجم، ثم قال باستحلال دم المنجم‏.‏ وقال الواحدي‏:‏ في هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدل على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن‏.‏ قال أبو عبد الله الرازي والواحدي‏:‏ تجوز الكرامات على ما قال صاحب الكشاف، فجعلها تدل على المنع من الأحكام النجومية ولا تدل على الإلهامات مجرد تشبه، وعندي أن الآية لا تدل على شيء مما قالوه، لأن قوله‏:‏ ‏{‏على غيبه‏}‏ ليس فيه صفة عموم، فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر خلقه تعالى على غيب واحد من غيوبه، ويحمله على وقت قيام القيامة فلا يبقى دليل في الآية على أنه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد، ويؤكده أنه ذكر هذه الآية عقيب قوله‏:‏ ‏{‏إن أدري أقريب ما توعدون‏}‏ الآية‏:‏ أي لا أدري وقت وقوع القيامة، إذ هي من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد‏.‏ و‏{‏إلا من ارتضى‏}‏‏:‏ استثناء منقطع، كأنه قال‏:‏ فلا يظهر على غيبه المخصوص أحداً إلا من ارتضى من رسول، فله حفظة يحفظونه من شرّ مردة الإنس والجن‏.‏

قال أبو عبد الله الرازي‏:‏ واعلم أنه لا بد من القطع بأنه ليس المراد من هذه الآية أنه لا يطلع أحد على شيء من المغيبات إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، والذي يدل عليه وجوه‏:‏ أحدها‏:‏ أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين يخبران بظهور محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره، وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا صلى الله عليه وسلم‏.‏

وثانيها‏:‏ إطباق الأمم على صحة علم التعبير، فيخبر المعبر عن ما يأتي في المستقبل ويكون صادقاً‏.‏ وثالثها‏:‏ أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها ووقعت على وفق كلامها، فقد رأيت أناساً محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة على سبيل التفصيل وجاءت كذلك، وبالغ أبو البركات صاحب المعتبر في شرح حالها في كتاب التعبير وقال‏:‏ فحصت عن حالها منذ ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات أخباراً مطابقة موافقة‏.‏ ورابعها‏:‏ أنا نشاهد أصحاب الإلهامات الصادقة، ليس هذا مختصاً بالأولياء، فقد يوجد في السحرة وفي الأحكام النجومية ما يوافق الصدق، وإن كان الكذب يقع منهم كثيراً‏.‏ وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن، وذلك بأطل‏.‏ فقلنا‏:‏ إن التأويل الصحيح ما ذكرناه‏.‏ انتهى، وفيه بعض تلخيص‏.‏ وإنما أوردنا كلام هذا الرجل في هذه المسألة لننظر فيما ذكر من تلك الوجوه‏.‏

أما قصة شق وسطيح فليس فيها شيء من الإخبار بالغيب، لأنه مما يخبر به رئي الكهان من الشياطين مسترقة السمع، كما جاء في الحديث‏:‏ «إنهم يسمعون الكلمة ويكذبون ويلقون إلى الكهنة ويزيد الكهنة للكلمة مائة كذبة» وليس هذا من علم الغيب، إذ تكلمت به الملائكة، وتلقفها الجني، وتلقفها منه الكاهن؛ فالكاهن لم يعلم الغيب‏.‏

وأما تعبير المنامات، فالمعبر غير المعصوم لا يعبر بذلك على سبيل البت والقطع، بل على سبيل الحزر والتخمين، وقد يقع ما يعبر به وقد لا يقع‏.‏

وأما الكاهنة البغدادية وما حكي عنها فحسبه عقلاً أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها، ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه لبس عليه هذا، وهو العالم المصنف الذي طبق ذكره الآفاق، وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف‏.‏

وأما حكايته عن صاحب المعتبر، فهو يهودي أظهر إسلامه وهو منتحل طريقة الفلاسفة‏.‏ وأما مشاهدته أصحاب الإلهامات الصادقة، فلي من العمر نحو من ثلاث وسبعين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح، فلم أر أحداً منهم صاحب إلهام صادق‏.‏

وأما الكرامات، فلا أشك في صدور شيء منها، لكن ذلك على سبيل الندرة، وذلك في من سلف من صلحاء هذه الأمة؛ وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامات، ولله تعالى أن يخص من شاء بما شاء والله الموفق‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ليعلم‏}‏ مبنياً للفاعل‏.‏ قال قتادة‏:‏ ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم وحفظوا‏.‏

وقال ابن جبير‏:‏ ليعلم محمد أن الملائكة الحفظة الرصد النازلين بين يدي جبريل وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ليعلم من أشرك وكذب أن الرسل قد بلغت، وعلى هذا القول لا يقع لهم هذا العلم إلا في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ ليعلم الله رسله مبلغة خارجة إلى الوجود، لأن علمه بكل شيء قد سبق‏.‏ واختار الزمخشري هذا القول الأخير فقال‏:‏ ‏{‏ليعلم الله أَن قد أبلغوا رسالات ربهم‏}‏‏:‏ يعني الأنبياء‏.‏ وحد أولاً على اللفظ في قوله‏:‏ ‏{‏من بين يديه ومن خلفه‏}‏، ثم جمع على المعنى كقوله‏:‏ ‏{‏فإن له نار جهنم خالدين‏}‏، والمعنى‏:‏ ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان، وذكر العلم كذكره في قوله ‏{‏حتى نعلم المجاهدين‏}‏ انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏ليعلم‏}‏، أي‏:‏ أيّ رسول كان أن الرسل سواه بلغوا‏.‏ وقيل‏:‏ ليعلم إبليس أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه وإسراف أصحابه‏.‏ وقيل‏:‏ ليعلم الرسل أن الملائكة بلغوا رسالات ربهم‏.‏ وقيل‏:‏ ليعلم محمد أن قد بلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه‏.‏ وقيل‏:‏ ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل إليهم، ولم يكونوا هم المتلقين بإستراق السمع‏.‏ وقرأ ابن عباس وزيد بن عليّ‏:‏ ليعلم، بضم الياء مبنياً للمفعول؛ والزهري وابن أبي عبلة‏:‏ بضم الياء وكسر اللام، أي ليعلم الله، أي من شاء أن يعلمه، أن الرسل قد أبلغوا رسالاته‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏رسالات‏}‏ على الجمع؛ وأبو حيوة‏:‏ على الإفراد‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وأحاط بما لديهم‏}‏‏:‏ وأحاط مبنياً للفاعل، أي الله، ‏{‏وأحصى‏}‏‏:‏ مبنياً للفاعل، أي الله كل نصباً؛ وابن أبي عبلة‏:‏ وأحيط وأحصى مبنياً للمفعول كل رفعاً‏.‏ ولما كان ليعلم مضمناً معنى علم، صار المعنى‏:‏ قد علم ذلك، فعطف وأحاط على هذا الضمير، والمعنى‏:‏ وأحاط بما عند الرسل من الحكم والشرائع لا يفوته منها شيء‏.‏ ‏{‏وأحصى كل شيء عدداً‏}‏‏:‏ أي معدوداً محصوراً، وانتصابه على الحال من كل شيء، وإن كان نكرة لاندراج المعرفة في العموم‏.‏ ويجوز أن ينتصب نصب المصدر لأحصى لأنه في معنى إحصاء‏.‏ وقال أبو البقاء‏:‏ ويجوز أن يكون تمييزاً‏.‏ انتهى، فيكون منقولاً من المفعول، إذا أصله‏:‏ وأحصى عدد كل شيء، وفي كونه ثابتاً من لسان العرب خلاف‏.‏

سورة المزمل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ‏(‏1‏)‏ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏2‏)‏ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ‏(‏3‏)‏ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ‏(‏4‏)‏ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ‏(‏6‏)‏ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ‏(‏7‏)‏ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ‏(‏8‏)‏ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ‏(‏9‏)‏ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ‏(‏10‏)‏ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ‏(‏11‏)‏ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ‏(‏12‏)‏ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏13‏)‏ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ‏(‏14‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ‏(‏15‏)‏ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها المزمل‏}‏ قالت عائشة والنخعي وجماعة‏:‏ ونودي بذلك لأنه كان في وقت نزول الآية متزملاً بكساء‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كان تزمل في ثيابه للصلاة واستعد‏.‏ فنودي على معنى‏:‏ يا أيها المستعد للعبادة‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ معناه المزمل للنبوة وأعبائها، أي المشمر المجد، فعلى هذا يكون التزمل مجازاً، وعلى ما سبق يكون حقيقة‏.‏ وما رووا أن عائشة رضي الله عنها سئلت‏:‏ ما كان تزميله‏؟‏ قالت‏:‏ كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه عليه، إلى آخر الرواية؛ كذب صراح، لأن نزول ‏{‏يا أيها المزمل‏}‏ بمكة في أوائل مبعثة، وتزويجه عائشة كان بالمدينة‏.‏

ومناسبة هذه السورة لما قبلها‏:‏ أن في آخر ما قبلها ‏{‏عالم الغيب‏}‏ الآيات، فأتبعه بقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها المزمل‏}‏، إعلاماً بأنه صلى الله عليه وسلم ممن ارتضاه من الرسل وخصه بخصائص وكفاه شر أعدائه‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏المزمل‏}‏، بشد الزاي وكسر الميم، أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي‏.‏ وقرأ أبي‏:‏ المتزمل على الأصل؛ وعكرمة‏:‏ بتخفيف الزاي‏.‏ أي المزمل جسمه أو نفسه‏.‏ وقرأ بعض السلف‏:‏ بتخفيف الزاي وفتح الميم، أي الذي لف‏.‏ وللزمخشري في كيفية نداء الله له بهذا الوصف كلام ضربت عن ذكره صفحاً، فلم أذكره في كتابي‏.‏ وقال السهيلي‏:‏ ليس المزمل باسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب تترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ كرم الله وجهه وقد نام ولصق بجنبه التراب‏:‏ «قم أبا تراب»، إشعاراً بأنه ملاطف له، فقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها المزمل‏}‏ فيه تأنيس وملاطفة‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قم الليل‏}‏، بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين؛ وأبو السمال‏:‏ بضمها اتباعا للحركة من القاف‏.‏ وقرئ‏:‏ بفتحها طلباً للتخفيف‏.‏ قال ابن جني‏:‏ الغرض بالحركة الهروب من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحرك الحرف حصل الغرض، وقم طلب‏.‏ فقال الجمهور‏:‏ هو على جهة الندب، وقيل‏:‏ كان فرضاً على الرسول خاصة، وقيل‏:‏ عليه وعلى الجميع‏.‏ قال قتادة‏:‏ ودام عاماً أو عامين‏.‏ وقالت عائشة‏:‏ ثمانية أشهر، ثم رحمهم الله نزلت‏:‏ ‏{‏إن ربك يعلم‏}‏ الآيات، فخفف عنهم ‏{‏قم الليل إلا قليلاً‏}‏‏.‏ بين الاستثناء أن القيام المأمور به يستغرق جميع الليل، ولذلك صح الاستثناء منه، إذ لو كان غير مستغرق، لم يصح الاستثناء منه، واستغراق جميعه بالقيام على الدوام غير ممكن، لذلك استثى منه لراحة الجسد؛ وهذا عند البصريين منصوب على الظرف، وإن استغرقه الفعل؛ وهو عند الكوفيين مفعول به‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏إلا قليلاً‏}‏ دليل على أن المستثنى قد يكون مبهم المقدار، كقوله‏:‏

‏{‏ما فعلوه إلا قليل منهم‏}‏ في قراءة من نصب ‏{‏ثم توليتم إلا قليلاً منكم‏}‏ قال وهب بن منبه‏:‏ القليل ما دون المعشار والسدس‏.‏ وقال الكلبي ومقاتل‏:‏ الثلث‏.‏ وقيل‏:‏ ما دون النصف، وجوزوا في نصفه أن يكون بدلاً من الليل ومن قليلاً‏.‏ فإذا كان بدلاً من الليل، كان الاستثناء منه، وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلاً منه‏.‏ والضمير في منه وعليه عائد على النصف، فيصير المعنى‏:‏ قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص من نصف الليل قليلاً، أو زد على نصف الليل، فيكون قوله‏:‏ أو انقص من نصف الليل قليلاً، تكراراً لقوله‏:‏ إلا قليلاً من نصف الليل، وذلك تركيب غير فصيح ينزه القرآن عنه‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ نصفه بدل من الليل، وإلا قليلاً استثناء من النصف، كأنه قال‏:‏ قم أقل من نصف الليل‏.‏ والضمير في منه وعليه للنصف، والمعنى‏:‏ التخيير بين أمرين، بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما النقصان من النصف والزيادة عليه‏.‏ انتهى‏.‏ فلم يتنبه للتكرار الذي يلزمه في هذا القول، لأنه على تقديره‏:‏ قم أقل من نصف الليل كان قوله، أو انقص من نصف الليل تكراراً‏.‏ وإذا كان ‏{‏نصفه‏}‏ بدلاً من قوله‏:‏ ‏{‏إلا قليلاً‏}‏، فالضمير في نصفه إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه وهو الليل، لا جائز أن يعود على المبدل منه، لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى البتة‏.‏ وإن عاد الضمير على الليل، فلا فائدة في الاستثناء من الليل، إذ كان يكون أخصر وأوضح وأبعد عن الإلباس أن يكون التركيب قم الليل نصفه‏.‏ وقد أبطلنا قول من قال‏:‏ إلا قليلاً استثناء من البدل وهو نصفه، وأن التقدير‏:‏ قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف‏.‏ وأيضاً ففي دعوى أن نصفه بدل من إلا قليًلا، والضمير في نصفه عائد على الليل، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير‏:‏ إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، أو زد عليه النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصح، وليس المراد من الآية قطعاً‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ وإن شئت جعلت نصفه بدلاً من قليلاً، وكان تخييراً بين ثلاث‏:‏ بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه؛ وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل‏.‏ وإن شئت قلت‏:‏ لما كان معنى ‏{‏قم الليل إلا قليلاً نصفه‏}‏‏:‏ إذا أبدلت النصف من الليل، قم أقل من نصف الليل، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل‏:‏ قم أقل من نصف الليل، وقم أنقص من ذلك إلا قل أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث، ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلاً وفسرته به أن تجعل قليلاً الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع، كأنه قيل‏:‏ أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل‏:‏ أو زد عليه قليلاً نصفه‏.‏

ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف والثلث والربع‏.‏ انتهى‏.‏ وما أوسع خيال هذا الرجل، فإنه يجوز ما يقرب وما يبعد، والقرآن لا ينبغي، بل لا يجوز أن يحمل إلا على أحسن الوجوه التي تأتي في كلام العرب، كما ذكرناه في خطبة هذا الكتاب‏.‏ وممن نص على جواز أن يكون نصفه بدلاً من الليل أو من قليلاً الزمخشري، كما ذكرنا عنه‏.‏ وابن عطية أورده مورد الاحتمال، وأبو البقاء، وقال‏:‏ أشبه بظاهر الآية أن يكون بدلاً من قليلاً، أو زد عليه، والهاء فيهما للنصف‏.‏ فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير‏:‏ قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً‏.‏ والقليل المستثنى غير مقدر، فالنقصان منه لا يتحصل‏.‏ انتهى‏.‏ وأما الحوفي فأجاز أن يكون بدلاً من الليل، ولم يذكر غيره‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ وقد يحتمل عندي قوله‏:‏ ‏{‏إلا قليلاً‏}‏ أنه استثناء من القيام، فيجعل الليل اسم جنس‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إلا قليلاً‏}‏، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب‏.‏ انتهى، وهذا خلاف الظاهر‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى أو نصفه، كما تقول‏:‏ أعطه درهماً درهمين ثلاثة، تريد‏:‏ أو درهمين، أو ثلاثة‏.‏ انتهى، وفيه حذف حرف العطف من غير دليل عليه‏.‏ وقال التبريزي‏:‏ الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاستثناء وارد على المأمور به، فكأنه قال‏:‏ قم ثلثي الليل إلا قليلاً، ثم جعل نصفه بدلاً من قليلاً، فصار القليل مفسراً بالنصف من الثلثين، وهو قليل من الكل‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏أو نقص منه‏}‏‏:‏ أي من المأمور به، وهو قيام الثلث، ‏{‏قليلاً‏}‏‏:‏ أي ما دون نصفه، ‏{‏أو زد عليه‏}‏، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعاً على الثلثين‏.‏ وقال أبو عبد الله الرازي‏:‏ قد أكثر الناس في تفسيره هذه الآية، وعندي فيه وجهان ملخصان، وذكر كلاماً طويلاً ملفقاً يوقف عليه من كتابه‏.‏ وتقدّم تفسير الترتيل في آخر الإسراء‏.‏

‏{‏قولاً ثقيلاً‏}‏‏:‏ هو القرآن، وثقله بما اشتمل عليه من التكاليف الشاقة، كالجهاد ومداومة الأعمال الصالحة‏.‏ قال الحسن‏:‏ إن الهذ خفيف، ولكن العمل ثقيل‏.‏ وقال أبو العالية‏:‏ والقرطبي‏:‏ ثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده‏.‏ وقيل‏:‏ ثقله ما كان يحل بجسمه صلى الله عليه وسلم حالة تلقيه الوحي، حتى كانت ناقته تبرك به ذلك الوقت، وحتى كادت رأسه الكريمة أن ترض فخذ زيد بن ثابت‏.‏

وقيل‏:‏ كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساني‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كلاماً عظيماً‏.‏ وقيل‏:‏ ثقيل في الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى العمل به‏.‏ وقيل‏:‏ كناية عن بقائه على وجه الدهر، لأن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه‏.‏

‏{‏إن ناشئة الليل‏}‏، قال ابن عمر وأنس ابن مالك وعليّ بن الحسين‏:‏ هي ما بين المغرب والعشاء‏.‏ وقالت عائشة ومجاهد‏:‏ هي القيام بعد اليوم، ومن قام أول الليل قبل اليوم، فلم يقم ناشئة الليل‏.‏ وقال ابن جبير وابن زيد‏:‏ هي لفظة حبشية، نشأ الرجل‏:‏ قام من الليل، فناشئة على هذا جمع ناشئ، أي قائم‏.‏ وقال ابن جبير وابن زيد أيضاً وجماعة‏:‏ ناشئة الليل‏:‏ ساعاته، لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء‏.‏ وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن وأبو مجلز‏:‏ ما كان بعد العشاء فهو ناشئة، وما كان قبلها فليس بناشئة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كانت صلاتهم أول الليل، وقال هو وابن الزبير‏:‏ الليل كله ناشئة‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ ناشئة الليل أوله‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ناشئة الليل‏:‏ النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض‏.‏ قال الشاعر‏:‏

نشأنا إلى خوص برى فيها السرى *** وألصق منها مشرفات القماحد

أو‏:‏ قيام الليل، على أن الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعله كالعاقبة‏.‏ انتهى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدوداً‏.‏ وقرأ قتادة وشبل، عن أهل مكة‏:‏ بكسر الواو وسكون الطاء والهمزة مقصورة‏.‏ وقرأ ابن محيصن‏:‏ بفتح الواو ممدوداً، والمعنى أنها أشد مواطأة، أي يواطئ القلب فيها اللسان، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص‏.‏ ومن قرأ ‏{‏وطأ‏}‏‏:‏ أي أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل، أو أثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار، كما جاء‏:‏ «اللهم اشدد وطأتك على مضر»‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ أشد قياماً‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أثبت قراءة وقياماً‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ أشد نشاطاً للمصلي لأنه في زمان راحته‏.‏ وقيل‏:‏ أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت فراغ، فالعبادة تدوم‏.‏ ‏{‏وأقوم قيلاً‏}‏‏:‏ أي أشد استقامة على الصواب، لأن الأصوات هادئة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه‏.‏ قال قتادة ومجاهد‏:‏ أصوب للقراءة وأثبت للقول، لأنه زمان التفهم‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ أتم نشاطاً وإخلاصاً وبركة‏.‏ وحكى ابن شجرة‏:‏ أعجل إجابة للدعاء‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ أجدر أن يتفقه فيها القارئ‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سبحاً‏}‏‏:‏ أي تصرّفاً وتقلباً في المهمات، كما يتردّد السابح في الماء‏.‏ قال الشاعر‏:‏

أباحوا لكم شرق البلاد وغربها *** ففيها لكم يا صاح سبح من السبح

وقيل‏:‏ سبحاً سبحة، أي نافلة‏.‏ وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة‏:‏ سبخاً بالخاء المنقوطة ومعناه‏:‏ خفة من التكاليف، والتسبيخ‏:‏ التخفيف، وهو استعارة من سبخ الصوف إذا نفشه ونشر أجزاءه، فمعناه‏:‏ انتشار الهمة وتفرّق الخاطر بالشواغل‏.‏

وقيل‏:‏ فراغاً وسعة لنومك وتصرّفك في حوائجك‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى إن فات حزب الليل بنوم أو عذر‏.‏ فليخلف بالنهار، فإن فيه سبحاً طويلاً‏.‏ قال صاحب اللوامح‏:‏ وفسر ابن يعمر وعكرمة سبخاً بالخاء معجمة‏.‏ وقال‏:‏ نوماً، أي تنام بالنهار لتستعين به على قيام الليل‏.‏ وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها، فلا يجاوز عنه‏.‏ انتهى‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «لا تسبخي بدعائك»، أي لا تخففي‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

فسبخ عليك الهم واعلم بأنه *** إذا قدّر الرحمن شيئاً فكائن

وقال الأصمعي‏:‏ يقال سبح الله عنك الحمى، أي خففها‏.‏ وقيل‏:‏ السبخ‏:‏ المد، يقال‏:‏ سبخي قطنك‏:‏ أي مديه، ويقال لقطع القطن سبائخ، الواحدة سبيخة، ومنه قول الأخطل‏:‏

فأرسلوهنّ يذرين التراب كما *** يذري سبائخ قطن ندف أوتار

‏{‏واذكر اسم ربك‏}‏‏:‏ أي دم على ذكره، وهو يتناول كل ذكر من تسبيح وتهليل وغيرهما، وانتصب ‏{‏تبتيلاً‏}‏ على أنه مصدر على غير الصدر، وحسن ذلك كونه فاصلة‏.‏ وقرأ الأخوان وابن عامر وأبو بكر ويعقوب‏:‏ رب بالخفض على البدل من ربك؛ وباقي السبعة‏:‏ بالرفع؛ وزيد بن عليّ‏:‏ بالنصب؛ والجمهور‏:‏ المشرق والمغرب موحدين؛ وعبد الله وأصحابه وابن عباس‏:‏ بجمعهما‏.‏ وقال الزمخشري، وعن ابن عباس‏:‏ على القسم، يعني‏:‏ خفض رب بإضمار حرف القسم، كقولك‏:‏ الله لأفعلن، وجوابه‏:‏ لا إله إلا هو، كما تقول‏:‏ والله لا أحد في الدار إلا زيد‏.‏ انتهى‏.‏ ولعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، إذ فيه إضمار الجار في القسم، ولا يجوز عند البصريين إلا في لفظة الله، ولا يقاس عليه‏.‏ ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فلا تنفيء إلا بما وحدها، ولا تنفي بلا إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً وبماض في معناه قليلاً، نحو قول الشاعر‏:‏

ردوا فوالله لا زرناكم أبدا *** ما دام في مائنا ورد لورّاد

والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويز والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها بما نحو قوله‏:‏

لعمرك ما سعد بخلة آثم *** ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر

‏{‏فاتخذه وكيلاً‏}‏، لأن من انفرد بالألوهية لم يتخذ وكيلاً إلا هو‏.‏ ‏{‏واصبر‏}‏، ‏{‏واهجرهم‏}‏‏:‏ قيل منسوخ بآية السيف‏.‏ ‏{‏وذرني والمكذبين‏}‏‏:‏ قيل نزلت في صناديد قريش، وقيل‏:‏ في المطعمين يوم بدر، وتقدّمت أسماؤهم في سورة الأنفال، وتقدّم شرح مثل هذا في ‏{‏فذرني ومن يكذب بهذا الحديث‏}‏ ‏{‏أولي النعمة‏}‏‏:‏ أي غضارة العيش وكثرة المال والولد، والنعمة بالفتح‏:‏ التنعم، وبالكسر‏:‏ الأنعام وما ينعم به، وبالضم‏:‏ المسرّة، يقال‏:‏ نعم ونعمة عين‏.‏ ‏{‏ومهلهم قليلاً‏}‏‏:‏ وعيد لهم بسرعة الانتقام منهم، والقليل‏:‏ موافاة آجالهم‏.‏ وقيل‏:‏ وقعة بدر‏.‏

‏{‏إن لدينا‏}‏‏:‏ أي ما يضاد نعمتهم، ‏{‏أنكالاً‏}‏‏:‏ قيوداً في أرجلهم‏.‏ قال الشعبي‏:‏ لم تجعل في أرجلهم خوفاً من هروبهم، ولكن إذا أرادوا أن يرتفعوا استقلت بهم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الأنكال‏:‏ الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء‏:‏

دعاك فقطعت أنكاله *** وقد كن قبلك لا تقطع

‏{‏وجحيماً‏}‏‏:‏ ناراً شديدة الايقاد‏.‏ ‏{‏وطعاماً ذا غصة‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ شوك من نار يعترض في حلوقهم، لا يخرج ولا ينزل‏.‏ وقال مجاهد وغيره‏:‏ شجرة الزقوم‏.‏ وقيل‏:‏ الضريع وشجرة الزقوم‏.‏ ‏{‏يوم‏}‏ منصوب بالعامل في الدنيا، وقيل‏:‏ بذرني، ‏{‏ترجف‏}‏‏:‏ تضطرب‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ترجف‏}‏ بفتح التاء مبنياً للفاعل؛ وزيد بن علي‏:‏ بضمها مبنياً للمفعول، ‏{‏كثيباً‏}‏‏:‏ أي رملاً مجتمعاً، ‏{‏مهيلاً‏}‏‏:‏ أي رخواً ليناً‏.‏ قيل‏:‏ ويقال‏:‏ مهيل ومهيول، وكيل ومكيول، ومدين ومديون، الإتمام في ذوات الياء لغة تميم، والحذف لأكثر العرب‏.‏

ولما هدد المكذبين بأهوال القيامة، ذكرهم بحال فرعون وكيف أخذه الله تعالى، إذ كذب موسى عليه السلام، وأنه إن دام تكذيبهم أهلكهم الله تعالى فقال‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا إليكم‏}‏، والخطاب عام للأسود والأحمر‏.‏ وقيل‏:‏ لأهل مكة، ‏{‏رسولاً شاهداً عليكم‏}‏، كما قال‏:‏ ‏{‏وجئنا بك شهيداً على هؤلآء‏}‏ وشبه إرساله إلى أهل مكة بإرسال موسى إلى فرعون على التعيين، لأن كلاً منهما ربا في قومه واستحقروا بهما، وكان عندهم علم بما جرى من غرق فرعون، فناسب أن يشبه الإرسال بالإرسال‏.‏ وقيل‏:‏ الرسول بلام التعريف، لأنه تقدم ذكره فأحيل عليه‏.‏ كما تقول‏:‏ لقيت رجلاً فضربت الرجل، لأن المضروب هو الملقى، والوبيل‏:‏ الرديء العقبى، من قولهم‏:‏ كلأ وبيل‏:‏ أي وخيم لا يستمرأ لثقله، أي لا ينزل في المريء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 20‏]‏

‏{‏فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ‏(‏17‏)‏ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ‏(‏18‏)‏ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ‏(‏19‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏يوماً‏}‏ منصوب بتتقون، منصوب نصب المفعول به على المجاز، أي كيف تستقبلون هذا اليوم العظيم الذي من شأنه كذا وكذا‏؟‏ والضمير في ‏{‏يجعل‏}‏ لليوم، أسند إليه الجعل لما كان واقعاً له على سبيل المجاز‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏يوماً‏}‏ مفعول به، أي فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له إن بقيتم على الكفر ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً‏؟‏ انتهى‏.‏ وتتقون مضارع اتقى، واتقى ليس بمعنى وقى حتى يفسره به، واتقى يتعدى إلى واحد، ووقى يتعدى إلى اثنين‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ووقاهم عذاب الجحيم‏}‏، ولذلك قدره الزمخشري‏:‏ تقون أنفسكم يوم القيامة، لكنه ليس تتقون بمعنى تقون، فلا يتعدى بعديته، ودس في قوله‏:‏ ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً الاعتزال‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن يكون ظرفاً، أي فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا‏؟‏ قال‏:‏ ويجوز أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة‏؟‏ والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه‏.‏ انتهى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يوماً‏}‏ منوناً، ‏{‏يجعل‏}‏ بالياء؛ والجملة من قوله‏:‏ ‏{‏يجعل‏}‏ صفة ليوم، فإن كان الضمير في ‏{‏يجعل‏}‏ عائداً على اليوم فواضح وهو الظاهر؛ وإن عاد على الله، كما قال بعضهم، فلا بد من حذف ضمير يعود إلى اليوم، أي يجعل فيه كقوله‏:‏ ‏{‏يوماً لا تجزي نفس‏}‏‏.‏ وقرأ زيد بن عليّ‏:‏ بغير تنوين‏:‏ نجعل بالنون، فالظرف مضاف إلى الجملة، والشيب مفعول ثان ليجعل، أي يصير الصبيان شيوخاً، وهو كناية عن شدة ذلك اليوم‏.‏ ويقال في اليوم الشديد‏:‏ يوم يشيب نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم إذا تفاقمت أسرعت بالشيب‏.‏ قال المتنبي‏:‏

والهم يخترم الجسيم نحافة *** ويشيب ناصية الصبي ويهرم

وقال قوم‏:‏ ذلك حقيقة تشيب رؤوسهم من شدة الهول، كما قد يرى الشيب في الدنيا من الهم المفرط، كهول البحر ونحوه‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الاطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة‏.‏ وقال السدي‏:‏ الولدان‏:‏ أولاد الزنا‏.‏ وقيل‏:‏ أولاد المشركين، والظاهر العموم، أي يشيب الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم‏:‏ يا آدم قم فابعث بعث النار‏.‏ وقيل‏:‏ هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق‏.‏ ‏{‏السماء منفطر به‏}‏، قال الفراء‏:‏ يعني المظلة تذكر وتؤنث، فجاء منفطر على التذكير، ومنه قول الشاعر‏:‏

فلو رفع السماء إليه قوم *** لحقنا بالسماء وبالسحاب

وعلى القول بالتأنيث، فقال أبو علي الفارسي‏:‏ هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، وأعجاز نخل منقعر‏.‏ انتهى، يعني أنها من باب اسم الجنس الذي بينه وبين مفرده تاء التأنيث وأن مفرده سماء، واسم الجنس يجوز فيه التذكير والتأنيث، فجاء منفطر على التذكير‏.‏

وقال أبو عمرو بن العلاء، وأبو عبيدة والكسائي، وتبعهم القاضي منذر بن سعيد‏:‏ مجازها السقف، فجاء عليه منفطر، ولم يقل منفطرة‏.‏ وقال أبو علي أيضاً‏:‏ التقدير ذات انفطار كقولهم‏:‏ امرأة مرضع، أي ذات رضاع، فجرى على طريق التسبب‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أو السماء شيء منفطر، فجعل منفطر صفة لخبر محذوف مقدر بمذكر وهو شيء، والانفطار‏:‏ التصدع والانشقاق؛ والضمير في به الظاهر أنه يعود على اليوم، والباء للسبب، أي بسبب شدة ذلك اليوم، أو ظرفية، أي فيه‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يعود على الله، أي بأمره وسلطانه‏.‏ والظاهر أن الضمير في ‏{‏وعده‏}‏ عائد على اليوم، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي أنه تعالى وعد عباده هذا اليوم، وهو يوم القيامة، فلا بد من إنجازه‏.‏ ويجوز أن يكون عائداً على الله تعالى، فيكون من إضافة المصدر إلى الفاعل، وإن لم يجر له ذكر قريب، لأنه معلوم أن الذي هذه مواعيده هو الله تعالى‏.‏

‏{‏إن هذه‏}‏‏:‏ أي السورة، أو الأنكال وما عطف عليه، والأخذ الوبيل، أو آيات القرآن المتضمنة شدة القيامة، ‏{‏تذكرة‏}‏‏:‏ أي موعظة، ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً‏}‏ بالتقرب إليه بالطاعة، ومفعول شاء محذوف يدل عليه الشرط، لأن من شرطية، أي فمن شاء أن يتخذ سبيلاً اتخذه إلى ربه، وليست المشيئة هنا على معنى الإباحة، بل تتضمن معنى الوعد والوعيد‏.‏ ‏{‏إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى‏}‏‏:‏ تصلي، كقوله‏:‏ ‏{‏قم الليل‏}‏‏.‏ لما كان أكثر أحوال الصلاة القيام عبر به عنها، وهذه الآية نزلت تخفيفاً لما كان استمرار استعماله من أمر قيام الليل، إما على الوجوب، وإما على الندب، على الخلاف الذي سبق؛ ‏{‏أدنى من ثلثي الليل‏}‏‏:‏ أي زماناً هو أقل من ثلثي الليل، واستعير الأدنى، وهو الأقرب للأول، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏من ثلثي‏}‏ بضم اللام؛ والحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد، عن قنبل فيما ذكر صاحب الكامل‏:‏ بإسكانها، وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما ذكر صاحب اللوامح‏.‏ وقرأ العربيان ونافع‏:‏ ونصفه وثلثه، بجرهما عطفاً على ‏{‏ثلثي الليل‏}‏؛ وباقي السبعة وزيد بن علي‏:‏ بالنصب عطفاً على ‏{‏أدنى‏}‏، لأنه منصوب على الظرف، أي وقتاً أدنى من ثلثي الليل‏.‏ فقراءة النصب مناسبة للتقسيم الذي في أول السورة، لأنه إذا قام الليل إلا قليلاً صدق عليه ‏{‏أدنى من ثلثي الليل‏}‏، لأن الزمان الذي لم يقم فيه يكون الثلث وشيئاً من الثلثين، فيصدق عليه قوله‏:‏ ‏{‏إلا قليلاً‏}‏‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏ونصفه‏}‏ فهو مطابق لقوله أولاً‏:‏ ‏{‏نصفه‏}‏‏.‏ وأما ثلثه فإن قوله‏:‏ ‏{‏أو انقص منه قليلاً‏}‏ قد ينتهي النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلث الليل‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏أو زد عليه‏}‏، فإنه إذا زاد على النصف قليلاً، كان الوقت أقل من الثلثين، فيكون قد طابق قوله‏:‏ ‏{‏أدنى من ثلثي الليل‏}‏، ويكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نصفه أو انقص منه قليلاً‏}‏ شرحاً لمبهم ما دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلاً‏}‏، وعلى قراءة النصب‏.‏

قال الحسن وابن جبير‏:‏ معنى تحصوه‏:‏ تطيقوه، أي قدر تعالى أنهم يقدرون الزمان على ما مر في أول السورة، فلم يطيقوا قيامه لكثرته وشدته، فخفف تعالى عنهم فضلاً منه، لا لعلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقات‏.‏ وأما قراءة الجر، فالمعنى أنه قيام مختلف؛ مرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من النصف، ومرة أدنى من الثلث، وذلك لتعذر معرته البشر مقادير الزمان مع عذر النوم‏.‏ وتقدير الزمان حقيقة إنما هو لله تعالى، والبشر لا يحصون ذلك، أي لا يطيقون مقادير ذلك، فتاب عليهم، أي رجع بهم من الثقل إلى الخفة وأمرهم بقيام ما تيسر‏.‏ وعلى القراءتين يكون علمه تعالى بذلك على حسب الوقوع منهم، لأنهم قاموا تلك المقادير في أوقات مختلفة قاموا أدنى من الثلثين ونصفاً وثلثاً، وقاموا أدنى من النصف وأدنى من الثلث، فلا تنافي بين القراءتين‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وثلثه‏}‏ بضم اللام؛ وابن كثير في رواية شبل‏:‏ بإسكانها؛ وطائفة‏:‏ معطوف على الضمير المستكن في ‏{‏تقوم‏}‏، وحسنة الفصل بينهما‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وطائفة من الذين معك‏}‏ دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع، إذ لو كان فرضاً، لكان التركيب‏:‏ والذين معك، إلا إن اعتقد أنهم كان منهم من يقوم في بيته، ومنهم من يقوم معه، فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع‏.‏

‏{‏والله يقدر الليل والنهار‏}‏‏:‏ أي هو وحده تعالى العالم بمقادير الساعات‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنياً عليه يقدر هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا مذهبه، وإنما استفيد الاختصاص من سياق الكلام لا من تقديم المبتدأ‏.‏ لو قلت‏:‏ زيد يحفظ القرآن أو يتفقه في كتاب سيبويه، لم يدل تقديم المبتدأ على الاختصاص‏.‏ وأن مخففة من الثقيلة، والضمير في ‏{‏نحصوه‏}‏، الظاهر أنه عائد على المصدر المفهوم من يقدر، أي أن لن تحصوا تقدير ساعات الليل والنهار، لا تحيطوا بها على الحقيقة‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير يعود على القيام المفهوم من قوله‏:‏ ‏{‏فتاب عليكم‏}‏‏.‏ قيل‏:‏ فيه دليل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به‏.‏ وقيل‏:‏ رجع بكم من ثقل إلى خف، ومن عسر إلى عسر، ورخص لكم في ترك القيام المقدر‏.‏ ‏{‏فاقرؤا ما تيسر من القرآن‏}‏‏:‏ عبر بالقراءة عن الصلاة لأنها بعض أركانها، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود، أي فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل‏.‏ وقيل‏:‏ وهذا ناسخ للأول، ثم نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس‏.‏ وهذا الأمر بقوله‏:‏ ‏{‏فاقرؤا‏}‏، قال الجمهور‏:‏ أمر إباحة، وقال ابن جبير وجماعة‏:‏ هو فرض لا بد منه، ولو خمسين آية‏.‏

وقال الحسن وابن سيرين‏:‏ قيام الليل فرض، ولو قدر حلب شاة‏.‏ وقيل‏:‏ هو أمر بقراءة القرآن بعينها، لا كناية عن الصلاة‏.‏ وإذا كان المراد‏:‏ فاقرؤا في الصلاة ما تيسر، فالظاهر أنه لا يتعين ما يقرأ، بل إذا قرأ ما تيسر له وسهل عليه أجزأه وقدره، وأبو حنيفة بآية، حكاه عنه الماوردي؛ وبثلاث‏.‏ حكاه ابن العربي؛ وعين مالك والشافعي ما تيسر، قالا‏:‏ هو فاتحة الكتاب، لا يعدل عنها ولا يقتصر على بعضها‏.‏

‏{‏علم أن سيكون منكم مرضى‏}‏‏:‏ بيان لحكمة النسخ، وهي تعذر القيام على المرضى، والضاربين في الأرض للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله، ‏{‏فاقرؤا ما تيسر منه‏}‏، كرر ذلك على سبيل التوكيد‏.‏ ثم أمر بعمودي الإسلام البدني والمالي، ثم قال‏:‏ ‏{‏وأقرضوا الله قرضاً حسناً‏}‏‏:‏ العطف يشعر بالتغاير، فقوله‏:‏ ‏{‏وآتوا الزكاة‏}‏ أمر بأداء الواجب، ‏{‏وأقرضوا الله‏}‏‏:‏ أمر بأداء الصدقات التي يتطوع بها‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏هو خيراً وأعظم أجراً‏}‏ بنصبهما، واحتمل هو أن يكون فصلاً، وأن يكون تأكيداً لضمير النصب في ‏{‏تجدوه‏}‏‏.‏ ولم يذكر الزمخشري والحوفي وابن عطية في إعراب هو إلا الفصل‏.‏ وقال أبو البقاء‏:‏ هو فصل، أو بدل، أو تأكيد‏.‏ فقوله‏:‏ أو بدل، وهم لو كان بدلاً لطابق في النصب فكان يكون إياه‏.‏ وقرأ أبو السمال وابن السميفع‏:‏ هو خير وأعظم، برفعهما على الابتداء أو الخبر‏.‏ قال أبو زيد‏:‏ هو لغة بني تميم، يرفعون ما بعد الفاصلة، يقولون‏:‏ كان زيد هو العاقل بالرفع، وهذا البيت لقيس بن ذريح وهو‏:‏

نحن إلى ليلى وأنت تركتها *** وكنت عليها بالملا أنت أقدر

قال أبو عمرو الجرمي‏:‏ أنشد سيبويه هذا البيت شاهداً للرفع والقوافي مرفوعة‏.‏ ويروى‏:‏ أقدر‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وهو فصل وجاز وإن لم يقع بين معرفتين، لأن أفعل من أشبه في امتناعه من حرف التعريف المعرفة‏.‏ انتهى‏.‏ وليس ما ذكر متفقاً عليه‏.‏ ومنهم من أجازه، وليس أفعل من أحكام الفصل ومسائله، والخلاف الوارد فيها كثير جداً، وقد جمعنا فيه كتاباً سميناه بالقول الفصل في أحكام الفصل، وأودعنا معظمه شرح التسهيل من تأليفنا‏.‏

سورة المدثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 31‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏(‏1‏)‏ قُمْ فَأَنْذِرْ ‏(‏2‏)‏ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ‏(‏3‏)‏ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ‏(‏4‏)‏ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ‏(‏5‏)‏ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ‏(‏6‏)‏ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ‏(‏7‏)‏ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ‏(‏8‏)‏ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ‏(‏9‏)‏ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ‏(‏10‏)‏ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ‏(‏11‏)‏ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ‏(‏12‏)‏ وَبَنِينَ شُهُودًا ‏(‏13‏)‏ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ‏(‏14‏)‏ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ‏(‏15‏)‏ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ‏(‏16‏)‏ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ‏(‏17‏)‏ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ‏(‏18‏)‏ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ‏(‏19‏)‏ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ‏(‏20‏)‏ ثُمَّ نَظَرَ ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ‏(‏22‏)‏ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ‏(‏24‏)‏ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ‏(‏25‏)‏ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ‏(‏26‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ‏(‏27‏)‏ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ‏(‏28‏)‏ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ‏(‏29‏)‏ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ‏(‏30‏)‏ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قال الجمهور‏:‏ لما فزع من رؤية جبريل على كرسي بين السماء والأرض ورعب منه، رجع إلى خديجة فقال‏:‏ زملوني دثروني، نزلت ‏{‏يا أيها المدثر‏}‏‏.‏ قال النخعي وقتادة وعائشة‏:‏ نودي وهو في حال تدثره، فدعى بحال من أحواله‏.‏ وروي أنه كان تدثر في قطيفة‏.‏ قيل‏:‏ وكان يسمع من قريش ما كرهه، فاغتم وتغطى بثوبه مفكراً، فأمر أن لا يدع إنذارهم وإن أسمعوه وآذوه‏.‏ وقال عكرمة معناه‏:‏ يا أيها المدثر للنبوة وأثقالها، كما قال في المزمل‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏المدثر‏}‏ بشد الدال‏.‏ وأصله المتدثر فأدغم، وكذا هو في حرف أبي على الأصل‏.‏ وقرأ عكرمة‏:‏ بتخفيف الدال، كما قرئ بتخفيف الزاي في المزمل، أي دثر نفسه‏.‏ وعن عكرمة أيضاً‏:‏ فتح التاء اسم مفعول، وقال‏:‏ دثرت هذا الأمر وعصب بك‏.‏ ‏{‏قم فأنذر‏}‏‏:‏ أي قم من مضجعك، أو قم بمعنى الأخذ في الشيء، كما تقول‏:‏ قام زيد يضرب عمراً، أي أخذ، وكما قال‏:‏

علام قام يشتمني لئيم *** أي أخذ، والمعنى قم قيام تصميم وجد، ‏{‏فأنذر‏}‏‏:‏ أي حذر عذاب الله ووقائعه، والإنذار عام بجميع الناس وبعثه إلى الخلق‏.‏ ‏{‏وربك فكبر‏}‏‏:‏ أي فعظم كبرياءه‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ واختص ربك بالتكبير، وهو الوصف بالكبرياء، وأن يقال‏:‏ الله أكبر‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا على مذهبه من أن تقديم المفعول على الفعل يدل على الاختصاص، قال‏:‏ ودخلت الفاء لمعنى الشرط، كأنه قيل‏:‏ وما كان فلا تدع تكبيره‏.‏ انتهى‏.‏ وهو قريب مما قدره النحاة في قولك‏:‏ زيداً فاضرب، قالوا تقديره‏:‏ تنبه فاضرب زيداً، فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط بعده محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة‏.‏ ‏{‏وثيابك فطهر‏}‏‏:‏ الظاهر أنه أمر بتطهير الثياب من النجاسات، لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة، ويقبح أن تكون ثياب المؤمن نجسة، والقول بأنها الثياب حقيقة هو قول ابن سيرين وابن زيد والشافعي، ومن هذه الآية ذهب الشافعي إلى وجوب غسل النجاسة من ثياب المصلي‏.‏ وقيل‏:‏ تطهيرها‏:‏ تقصيرها، ومخالفة العرب في تطويل الثياب وجرهم الذيول على سبيل الفخر والتكبر، قال الشاعر‏:‏

ثم راحوا عبق المسك بهم *** يلحفون الأرض هداب الأزر

ولا يؤمن من أصابتها النجاسة وفي الحديث‏:‏ «أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك ففي النار» وذهب الجمهور إلى أن الثياب هنا مجاز‏.‏ فقال ابن عباس والضحاك‏:‏ تطهيرها أن لا تكون تتلبس بالقذر‏.‏ وقال ابن عباس وابن جبير أيضاً‏:‏ كنى بالثياب عن القلب، كما قال امرؤ القيس‏:‏

فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي *** أي قلبي من قلبك وعلى الطهارة من القذر، وأنشد قول غيلان بن سلمة الثقفي‏:‏

إني بحمد الله لا ثوب غادر *** لبست ولا من خزية أتقنع

وقيل‏:‏ كناية عن طهارة العمل، المعنى‏:‏ وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ إذا كان الرجل خبيث العمل قالوا‏:‏ فلان خبيث الثياب؛ وإذا كان حسن العمل قالوا‏:‏ فلان طاهر الثياب، ونحو هذا عن السدي، ومنه قول الشاعر‏:‏

لا هم إن عامر بن جهم *** أو ذم حجا في ثياب دسم

أي‏:‏ دنسة بالمعاصي، وقيل‏:‏ كنى عن النفس بالثياب، قاله ابن عباس‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فشككت بالرمح الطويل ثيابه *** وقال آخر‏:‏

ثياب بني عوف طهارى نقية *** وأوجههم بيض سافر غران

أي‏:‏ أنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ كنى بها عن الجسم‏.‏ قالت ليلى وقد ذكرت إبلاً‏:‏

رموها بأثواب خفاف فلا نرى *** لها شبهاً إلا النعام المنفرا

أي‏:‏ ركبوها فرموها بأنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ كناية عن الأهل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏هن لباس لكم‏}‏ والتطهر فيهن اختيار المؤمنات العفائف‏.‏ وقيل‏:‏ وطئهن في القبل لا في الدبر، في الطهر لا في الحيض، حكاه ابن بحر‏.‏ وقيل‏:‏ كناية عن الخلق، أي وخلقك فحسن، قاله الحسن والقرطبي، ومنه قوله‏:‏

ويحيى ما يلائم سوء خلق *** ويحيى طاهر الأثواب حر

أي‏:‏ حسن الأخلاق‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ والرجز بكسر الراء، وهي لغة قريش؛ والحسن ومجاهد والسلمي وأبو جعفر وأبو شيبة وابن محيصن وابن وثاب وقتادة والنخعي وابن أبي إسحاق والأعرج وحفص‏:‏ بضمها، فقيل‏:‏ هما بمعنى واحد، يراد بهما الأصنام والأوثان‏.‏ وقيل‏:‏ الكسر للبين والنقائص والفجور، والضم لصنمين أساف ونائلة‏.‏ وقال عكرمة ومجاهد والزهري‏:‏ للأصنام عموماً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الرجز‏:‏ السخط، أي اهجر ما يؤدي إليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كل معصية، والمعنى في الأمر‏:‏ اثبت ودم على هجره، لأنه صلى الله عليه وسلم كان بريئاً منه‏.‏ وقال النخعي‏:‏ الرجز‏:‏ الإثم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ العذاب، أي اهجر ما يؤدي إليه‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ولا تمنن‏}‏، بفك التضعيف؛ والحسن وأبو السمال‏:‏ بشد النون‏.‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ لا تعط عطاء لتعطي أكثر منه، كأنه من قولهم‏:‏ منّ إذا أعطى‏.‏ قال الضحاك‏:‏ هذا خاص به صلى الله عليه وسلم، ومباح ذلك لأمته، لكنه لا أجر لهم‏.‏ وعن ابن عباس أيضاً‏:‏ لا تقل دعوت فلم أجب‏.‏ وعن قتادة‏:‏ لا تدل بعملك‏.‏ وعن ابن زيد‏:‏ لا تمنن بنبوتك، تستكثر بأجر أو كسب تطلبه منهم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ تمنن على الله بجدك، تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب، وهذه الأقوال كلها من المنّ تعداد اليد وذكرها‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏ولا تمنن تستكثر‏}‏ ما حملناك من أعباء الرسالة، أو تستكثر من الخير، من قولهم‏:‏ حبل متين‏:‏ أي ضعيف‏.‏ وقيل‏:‏ ولا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ تستكثر برفع الراء، والجملة حالية، أي مستكثراً‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ويجوز في الرفع أن تحذف أن ويبطل عملها، كما روي‏:‏ أحضر الوغى بالرفع‏.‏

انتهى، وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه، لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحة الحال، أي مستكثراً‏.‏ وقرأ الحسن وابن أبي عبلة‏:‏ بجزم الراء، ووجهه أنه بدل من تمنن، أي لا تستكثر، كقوله‏:‏ ‏{‏يضاعف له العذاب‏}‏ في قراءة من جزم، بدلاً من قوله‏:‏ ‏{‏يلق‏}‏ وكقوله‏:‏

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا *** تجد حطباً جزًلا وناراً تأججا

ويكون من المن الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى‏}‏ لأن من شأن المان أن يستكثر ما يعطي أن يراه كثيراً ويعتد به؛ وأجاز الزمخشري فيه وجهين، أحدهما‏:‏ أن تشبه ثرو بعضد فتسكن تخفيفاً؛ والثاني‏:‏ أن يعتبر حال الوقف، يعني فيجري الوصل مجرى الوقف، وهذان لا يجوز أن يحمل القرآن عليهما مع وجود ما هو راجح عليهما، وهو المبدل‏.‏ وقرأ الحسن أيضاً والأعمش‏:‏ تستكثر بنصب الراء، أي لن تحقرها‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ أن تستكثر، بإظهار أن‏.‏ ‏{‏ولربك فاصبر‏}‏‏:‏ أي لوجه ربك أمره بالصبر، فيتناول الصبر على تكاليف النبوة، وعلى أداء طاعة الله، وعلى أذى الكفار‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ على حرب الأحمر والأسود، فكل مصبور عليه ومصبور عنه يندرج في الصبر‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فإذا نقر‏}‏ للتسبب، كأنه قيل‏:‏ فاصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ والفاء في ‏{‏فذلك‏}‏ للجزاء‏.‏ فإن قلت‏:‏ بم انتصب إذا، وكيف صح أن يقع يومئذ ظرفاً ليوم عسير‏؟‏ قلت‏:‏ انتصب إذا بما دل عليه الجزاء، لأن المعنى‏:‏ ‏{‏فإذا نقر في الناقور‏}‏، عسر الأمر على الكافرين؛ والذي أجاز وقوع يومئذ ظرفاً ليوم عسير أن المعنى‏:‏ فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير، لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور‏.‏ ويجوز أن يكون يومئذ مبنياً مرفوع المحل بدلاً من ذلك، ويوم عسير خبر، كأنه قيل‏:‏ فيوم النقر يوم عسير‏.‏ فإن قلت‏:‏ فما فائدة قوله‏:‏ ‏{‏غير يسير‏}‏، وعسير مغن عنه‏؟‏ قلت‏:‏ لما قال ‏{‏على الكافرين‏}‏ فقصر العسر عليهم، قال ‏{‏غير يسير‏}‏ ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، فيجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم‏.‏ ويجوز أن يراد به عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً، كما يرجى بيسير العسير من أمور الدنيا‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الحوفي‏:‏ ‏{‏فإذا‏}‏، إذا متعلقة بأنذر، أي فأنذرهم إذا نقر في الناقورة، قال أبو البقاء‏:‏ يجري على القول الأخفش أن تكون إذا مبتدأ والخبر فذلك والفاء زائدة‏.‏ فأما يومئذ فظرف لذلك، وأجاز أبو البقاء أن يتعلق على الكافرين بيسير، أي غير يسير، أي غير سهل على الكافرين؛ وينبغي أن لا يجوز، لأن فيه تقديم معمول العامل المضاف إليه غير على العامل، وهو ممنوع على الصحيح؛ وقد أجازه بعضهم فيقول‏:‏ أنا بزيد غير راض‏.‏

‏{‏ذرني ومن خلقت وحيداً‏}‏‏:‏ لا خلاف أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، فروي أنه كان يلقب بالوحيد، أي لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في بيته‏.‏ والظاهر انتصاب وحيداً على الحال من الضمير المحذوف العائد على من، أي خلقته منفرداً ذليلاً قليلاً لا مال له ولا ولد، فآتاه الله تعالى المال والولد، فكفر نعمته وأشرك به واستهزأ بدينه‏.‏ وقيل‏:‏ حال من ضمير النصب في ذرني، قاله مجاهد، أي ذرني وحدي معه، فأنا أجزيك في الانتقام منه؛ أو حال من التاء في خلقت، أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقي أحد، فأنا أهلكه لا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه‏.‏ وقيل‏:‏ وحيداً لا يتبين أبوه‏.‏ وكان الوليد معروفاً بأنه دعي، كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عتل بعد ذلك زنيم‏}‏ وإذا كان يدعى وحيداً، فلا يجوز أن ينتصب على الذم، لأنه لا يجوز أن يصدقه الله تعالى في أنه وحيداً لا نظير له‏.‏ ورد ذلك بأنه لما لقب بذلك صار علماً، والعلم لا يفيد في المسمى صفة، وأيضاً فيمكن حمله على أنه وحيد في الكفر والخبث والدناءة‏.‏

‏{‏وجعلت له مالاً ممدوداً‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ كان له بين مكة والطائف إبل وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار‏.‏ وقيل‏:‏ كان صاحب زرع وضرع وتجارة‏.‏ وقال النعمان بن بشير‏:‏ المال المدود هو الأرض لأنها مدت‏.‏ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ هو الريع المستغل مشاهرة، فهو مد في الزمان لا ينقطع‏.‏ وقيل‏:‏ هو مقدار معين واضطربوا في تعيينه‏.‏ فما قيل‏:‏ ألف دينار، وقيل‏:‏ ألف ألف دينار، وكل هذا تحكم‏.‏ ‏{‏وبنين شهوداً‏}‏‏:‏ أي حضوراً معه بمكة لا يظعنون عنه لغناهم فهو مستأنس بهم، أو شهوداً‏:‏ أي رجالاً يشهدون معه المجامع والمحافل، أو تسمع شهادتهم فيما يتحاكم فيه؛ واختلف في عددهم، فذكر منهم‏:‏ خالد وهشام وعمارة، وقد أسلموا؛ والوليد والعاصي وقيس وعبد شمس‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فما زال الوليد بعد هذه الآية وبعد نزولها في نقص في ماله وولده حتى هلك‏.‏

‏{‏ومهدت له تمهيداً‏}‏‏:‏ أي وطأت وهيأت وبسطت له بساطاً حتى أقام ببلدته مطمئناً يرجع إلى رأيه‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ وسعت له ما بين اليمن إلى الشام‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ مهدت له المال بعضه فوق بعض، كما يمهد الفراش‏.‏ ‏{‏ثم يطمع أن أزيد‏}‏‏:‏ أي على ما أعطيته من المال والولد‏.‏ ‏{‏كلا‏}‏‏:‏ أي ليس يكون كذلك مع كفره بالنعم‏.‏ وقال الحسن وغيره‏:‏ ثم يطمع أن أدخله الجنة، لأنه كان يقول‏:‏ إن كان محمداً صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي‏.‏ ‏{‏ثم يطمع‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ استبعاد لطمعه واستنكار، أي لا مزيد على ما أوتي كثرة وسعة، ‏{‏كلا‏}‏‏:‏ قطع لرجائه وردع‏.‏

انتهى‏.‏ وطمعه في الزيادة دليل على مبشعه وحبه للدنيا‏.‏ ‏{‏إنه كان لآياتنا عنيداً‏}‏‏:‏ تعليل للرّدع على وجه الاستئناف، كأن قائلاً قال‏:‏ لم لا يزاد‏؟‏ فقال إنه كان يعاند آيات المنعم وكفر بذلك، والكافر لا يستحق المزيد؛ وإنما جعلت الآيات بالنسبة إلى الأنعام لمناسبة قوله‏:‏ ‏{‏وجعلت له مالاً ممدوداً‏}‏ إلى آخر ما آتاه الله، والأحسن أن يحمل على آيات القرآن لحديثه في القرآن وزعمه أنه سحر‏.‏ ‏{‏سأرهقه‏}‏‏:‏ أي سأكلفه وأعنته بمشقة وعسر، ‏{‏صعوداً‏}‏‏:‏ عقبة في جهنم، كلما وضع عليها شيء من الإنسان ذاب ثم يعود، والصعود في اللغة‏:‏ العقبة الشاقة، وتقدّم شرح عنيد في سورة إبراهيم عليه السلام‏.‏

‏{‏إنه فكر وقدر‏}‏‏:‏ روي أن الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال‏:‏ إن له لحلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن فرعه لجناة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى، ونحو هذا من الكلام، فخالفوه وقالوا‏:‏ هو شعر، فقال‏:‏ والله ما هو بشعر، قد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه، قالوا‏:‏ فهو كاهن، قال‏:‏ والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، قالوا‏:‏ هو مجنون، قال‏:‏ والله ما هو بمجنون، لقد رأينا المجنون وخنقه، قالوا‏:‏ هو سحر، قال‏:‏ أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه‏.‏ وروي هذا بألفاظ غير هذا ويقرب من حيث المعنى، وفيه‏:‏ وتزعمون أنه كذب، فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب‏؟‏ فقالوا‏:‏ في كل ذلك اللهم لا، ثم قالوا‏:‏ فما هو‏؟‏ ففكر ثم قال‏:‏ ما هو إلا ساحر‏.‏ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه‏؟‏ وما الذي يقوله إلا سحر يؤثره عن مثل مسيلمة وعن أهل بابل، فارتج النادي فرحاً وتفرّقوا متعجبين منه‏.‏ وروي أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مراراً حتى كاد أن يقارب الإسلام‏.‏ ودخل إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مراراً، فجاءه أبو جهل فقال‏:‏ يا وليد، أشعرت أن قريشاً قد ذمّتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة، وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه‏؟‏ وقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولاً يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن وقال‏:‏ أفعل‏.‏ ‏{‏إنه فكر‏}‏‏:‏ تعليل للوعيد في قوله‏:‏ ‏{‏سأرهقه صعوداً‏}‏‏.‏ قيل‏:‏ ويجوز أن يكون ‏{‏إنه فكر‏}‏ بدلاً من قوله‏:‏ ‏{‏إنه كان لآياتنا عنيداً‏}‏، بياناً لكنه عناده وفكر، أي في القرآن ومن أتى به، ‏{‏وقدر‏}‏‏:‏ أي في نفسه ما يقول فيه‏.‏ ‏{‏فقتل كيف قدر‏}‏، قتل‏:‏ لعن، وقيل‏:‏ غلب وقهر، وذلك من قوله‏:‏

لسهميك في أعسار قلب مقتل *** أي مذلل مقهور بالحب، فلعن دعاء عليه بالطرد والإبعاد وغلب، وذلك إخبار بقهره وذلته، و‏{‏كيف قدر‏}‏ معناه‏:‏ كيف قدر ما لا يصح تقديره وما لا يسوغ أن يقدره عاقل‏؟‏ وقيل‏:‏ دعاء مقتضاه الاستحسان والتعجب‏.‏

فقيل ذلك لمنزعه الأول في مدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه، فيجري مجرى قول عبد الملك بن مروان‏:‏ قاتل الله كثيراً، كأنه رآنا حين قال كذا‏.‏ وقيل‏:‏ ذلك لإصابته ما طلبت قريش منه‏.‏ وقيل‏:‏ ذلك ثناء عليه على جهة الاستهزاء‏.‏ وقيل‏:‏ ذلك حكاية لما كرروه من قولهم‏:‏ قتل كيف قدّر، تهكماً بهم وبإعجابهم بتقديره واستعظامهم لقوله، وهذا فيه بعد‏.‏ وقولهم‏:‏ قاتلهم الله، مشهور في كلام العرب أنه يقال عند استعظام الأمر والتعجب منه، ومعناه‏:‏ أنه قد بلغ المبلغ الذي يحسد عليه ويدعى عليه من حساده، والاستفهام في ‏{‏كيف قدر‏}‏ في معنى‏:‏ ما أعجب تقديره وما أغربه، كقولهم‏:‏ أي رجل زيد‏؟‏ أي ما أعظمه‏.‏

وجاء التكرار بثم ليدل على أن الثانية أبلغ من الأولى للتراخى الذي بينهما، كأنه دعى عليه أولاً ورجى أن يقلع عن ما كان يرومه فلم يفعل، فدعى عليه ثانياً، ‏{‏ثم نظر‏}‏‏:‏ أي فكر ثانياً‏.‏ وقيل‏:‏ نظر إلى وجوه الناس، ‏{‏ثم عبس وبسر‏}‏‏:‏ أي قطب وكلح لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول‏.‏ وقيل‏:‏ قطب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏ثم أدبر‏}‏‏:‏ رجع مدبراً، وقيل‏:‏ أدبر عن الحق، ‏{‏واستكبر‏}‏، قيل‏:‏ تشارس مستكبراً، وقيل‏:‏ استكبر عن الحق، وصفه بالهيئات التي تشكل بها حين أراد أن يقول‏:‏ ما قال كل ذلك على سبيل الاستهزاء، وأن ما يقوله كذب وافتراء، إذ لو كان ممكناً، لكان له هيئات غير هذه من فرح القلب وظهور السرور والجذل والبشر في وجهه، ولو كان حقاً لم يحتج إلى هذا الفكر لأن الحق أبلج يتضح بنفسه من غير إكداد فكر ولا إبطاء تأمّل‏.‏ ألا ترى إلى ذلك الرجل وقوله حين رأي رسول صلى الله عليه وسلم، فعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وأسلم من فوره‏.‏ وقيل‏:‏ ثم نظر فيما يحتج به للقرآن، فرأى ما فيه من الإعجاز والإعلام بمرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودام نظره في ذلك‏.‏ ‏{‏ثم عبس وبسر‏}‏، دلالة على تأنيه وتمهله في تأمّله، إذ بين ذلك تراخ وتباعد‏.‏ وكان العطف في ‏{‏وبسر‏}‏ وفي ‏{‏واستكبر‏}‏، لأن البسور قريب من العبوس، فهو كأنه على سبيل التوكيد والاستكبار يظهر أنه سبب للادبار، إذ الاستكبار معنى في القلب، والإدبار حقيقة من فعل الجسم، فهما سبب ومسبب، فلا يعطف بثم؛ وقدّم المسبب على السبب لأنه الظاهر للعين، وناسب العطف بالواو؛ وكان العطف في فقال بالفاء دلالة على التعقيب، لأنه لما خطر بباله هذا القول بعد تطلبه، لم يتمالك أن نطق به من غير تمهل‏.‏ ومعنى ‏{‏يؤثر‏}‏‏:‏ يروي وينقل، قال الشاعر‏:‏

لقلت من القول ما لا يزا *** ل يؤثر عني به المسند

وقيل‏:‏ ‏{‏يؤثر‏}‏ أي يختار ويرجح على غيره من السحر فيكون من الإيثار، ومعنى ‏{‏إلا سحر‏}‏‏:‏ أي شبيه بالسحر‏.‏ ‏{‏إن هذا إلا قول البشر‏}‏‏:‏ تأكيد لما قبله، أي يلتقط من أقوال الناس، ويظهر أن كفر الوليد إنما هو عناد‏.‏ ألا ترى ثناءه على القرآن، ونفيه عنه جميع ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون، وقصته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليه أوائل سورة فصلت إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏}‏ وكيف ناشده الله بالرحم أن يسكت‏؟‏ ‏{‏سأصليه سقر‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ بدل من ‏{‏سأرهقه صعوداً‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ ويظهر أنهما جملتان اعتقبت كل واحدة، منهما فتوعد على سبيل التوعد العصيان الذي قبل كل واحدة منهما، فتوعد على كونه عنيداً لآيات الله بإرهاق صعود، وعلى قوله بأن القرآن سحر يؤثر بإصلائه سقر، وتقدّم الكلام على سقر في أواخر سورة القمر‏.‏ ‏{‏وما أدراك ما سقر‏}‏‏:‏ تعظيم لهولها وشدتها، ‏{‏لا تبقي ولا تذر‏}‏‏:‏ أي لا تبقي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية من العذاب إلا أوصلته إليه‏.‏

‏{‏لوّاحة للبشر‏}‏، قال ابن عباس ومجاهد وأبو رزين والجمهور‏:‏ معناه مغيرة للبشرات محرقة للجلود مسوّدة لها، والبشر جمع بشرة، وتقول العرب‏:‏ لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسوّدته‏.‏ وقال الحسن وابن كيسان‏:‏ لوّاحة بناء مبالغة من لاح إذا ظهر، والمعنى أنها تظهر للناس، وهم البشر، من مسيرة خمسمائة عام، وذلك لعظمها وهولها وزجرها، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لترون الجحيم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وبرزت الجحيم لمن يرى‏}‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لواحة‏}‏ بالرفع، أي هي لوّاحة‏.‏ وقرأ العوفي وزيد بن عليّ والحسن وابن أبي عبلة‏:‏ لواحة بالنصب على الحال المؤكدة، لأن النار التي لا تبقي ولا تذر لا تكون إلا مغيرة للأبشار‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ نصباً على الاختصاص للتهويل‏.‏

‏{‏عليها تسعة عشر‏}‏‏:‏ التمييز محذوف، والمتبادر إلى الذهن أنه ملك‏.‏ ألا ترى العرب وهم الفصحاء كيف فهموا منه أن المراد ملك حين سمعوا ذلك‏؟‏ فقال أبو جهل لقريش‏:‏ ثكلتكم أمّهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم‏؟‏ فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي، وكان شديد البطش‏:‏ أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة‏}‏ أي ما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون، وأنزل الله تعالى في أبي جهل ‏{‏أولى لك فأولى‏}‏ وقيل‏:‏ التمييز المحذوف صنفاً من الملائكة، وقيل‏:‏ نقيباً، ومعنى عليها يتولون أمرها وإليهم جماع زبانيتها، فالذي يظهر من العدد ومن الآية بعد ذلك ومن الحديث أن هؤلاء هم النقباء‏.‏ ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يعلم جنود ربك إلا هو‏}‏، وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏

«يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها»‏؟‏ وقد ذكر المفسرون من نعوت هؤلاء الملائكة وخلقهم وقوتهم، وما أقدرهم الله تعالى عليه من الأفعال ما الله أعلم بصحته، وكذلك ذكر أبو عبد الله الرازي حكماً على زعمه في كون هؤلاء الملائكة على هذا العدد المخصوص يوقف عليها في تفسيره‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تسعة عشر‏}‏ مبنيين على الفتح على مشهور اللغة في هذا العدد‏.‏ وقرأ أبو جعفر وطلحة بن سليمان‏:‏ بإسكان العين، كراهة توالي الحركات‏.‏ وقرأ أنس بن مالك وابن عباس وابن قطيب وإبراهيم بن قنة‏:‏ بضم التاء، وهي حركة بناء عدل إليها عن الفتح لتوالي خمس فتحات، ولا يتوهم أنها حركة إعراب، لأنها لو كانت حركة إعراب لأعرب عشر‏.‏ وقرأ أنس أيضاً‏:‏ تسعة بالضم، أعشر بالفتح‏.‏ وقال صاحب اللوامح‏:‏ فيجوز أنه جمع العشرة على أعشر ثم أجراه مجرى تسعة عشر، وعنه أيضاً تسعة وعشر بالضم، وقلب الهمزة من أعشر واواً خالصة تخفيفاً، والباء فيهما مضمومة ضمة بناء لأنها معاقبة للفتحة، فراراً من الجمع بين خمس حركات على جهة واحدة‏.‏ وعن سليمان بن قنة، وهو أخو إبراهيم‏:‏ أنه قرأ تسعة أعشر بضم التاء ضمة إعراب وإضافته إلى أعشر، وأعشر مجرور منون وذلك على فك التركيب‏.‏ قال صاحب اللوامح‏:‏ ويجيء على هذه القراءة، وهي قراءة من قرأ أعشر مبنياً أو معرباً من حيث هو جمع، أن الملائكة الذين هم على النار تسعون ملكاً‏.‏ انتهى، وفيه بعض تلخيص‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وقرئ تسعة أعشر جمع عشير، مثل يمين وأيمن‏.‏ انتهى‏.‏ وسليمان بن قنة هذا هو الذي مدح أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القائل‏:‏

مررت على أبيات آل محمد *** فلم أر أمثالاً لها يوم حلت

وكانوا ثمالاً ثم عادوا رزية *** لقد عظمت تلك الرزايا وجلت

‏{‏وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة‏}‏‏:‏ أي جعلناهم خلقاً لا قبل لأحد من الناس بهم، ‏{‏وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا‏}‏‏:‏ أي سبب فتنة، وفتنة مفعول ثان لجعلنا، أي جعلنا تلك العدّة، وهي تسعة عشر، سبباً لفتنة الكفار، فليس فتنة مفعولاً من أجله، وفتنهم هي كونهم أظهروا مقاومتهم في مغالبتهم، وذلك على سبيل الاستهزاء‏.‏ فإنهم يكذبون بالبعث وبالنار وبخزنتها‏.‏ ‏{‏ليستيقن‏}‏‏:‏ هذا مفعول من أجله، وهو متعلق بجعلنا لا بفتنة‏.‏ فليست الفتنة معلولة للاستيقان، بل المعلول جعل العدّة سبباً لفتنة ‏{‏الذين أوتوا الكتاب‏}‏، وهم اليهود والنصارى‏.‏ إنّ هذا القرآن هو من عند الله، إذ هم يجدون هذه العدّة في كتبهم المنزلة، ويعلمون أن الرسول لم يقرأها ولا قرأها عليه أحد، ولكن كتابة يصدّق كتب الأنبياء، إذ كل ذلك حق يتعاضد من عند الله تعالى‏.‏ قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد، وبورود الحقائق من عند الله يزداد كل ذي إيمان إيماناً، ويزول الريب عن المصدّقين من أهل الكتاب وعن المؤمنين‏.‏

وقيل‏:‏ إنما صار جعلها فتنة لأنهم يستهزئون ويقولون‏:‏ لم لم يكونوا عشرين‏؟‏ وما المقتضى لتخصيص هذا العدد بالوجود‏؟‏ ويقولون هذا العدد القليل، يقوون بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله تعالى إلى قيام الساعة‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ قد جعل افتتان الكافرين بعدّة الزبانية سبباً لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين، فما وجه صحة ذلك‏؟‏ قلت‏:‏ ما جعل افتتانهم بالعدّة سبباً لذلك، وإنما العدّة نفسها هي التي جعلت سبباً، وذلك أن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا‏}‏‏:‏ وما جعلنا عدّتهم إلا تسعة عشر؛ فوضع ‏{‏فتنة للذين كفروا‏}‏ موضع ‏{‏تسعة عشر‏}‏، لأن حال هذه العدّة الناقصة واحداً من عقد العشرين، أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزئ ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة، كأنه قيل‏:‏ ولقد جعلنا عدّتهم عدّة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين‏.‏ انتهى، وهو سؤال عجيب وجواب فيه تحريف كتاب الله تعالى، إذ زعم أن معنى ‏{‏إلا فتنة للذين كفروا‏}‏‏:‏ إلا تسعة عشر، وهذا لا يذهب إليه عاقل ولا من له أدنى ذكاء؛ وكفى ردّاً عليه تحريف كتاب الله ووضع ألفاظ مخالفة لألفاظ ومعنى مخالف لمعنى‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏ليستيقن‏}‏ متعلق بفعل مضمر، أي فعلنا ذلك ليستيقن‏.‏ ‏{‏ولا يرتاب‏}‏‏:‏ توكيد لقوله ‏{‏ليستيقن‏}‏، إذ إثبات اليقين ونفي الارتياب أبلغ وآكد في الوصف لسكون النفس السكون التام‏.‏

و ‏{‏الذين في قلوبهم مرض‏}‏، قال الحسين بن الفضل‏:‏ السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما المرض في الآية‏:‏ الاضطراب وضعف الإيمان‏.‏ وقيل‏:‏ هو إخبار بالغيب، أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة‏:‏ ‏{‏ماذا أراد الله بهذا مثلاً‏}‏‏.‏ لما سمعوا هذا العدد لم يهتدوا وحاروا، فاستفهم بعضهم بعضاً عن ذلك استبعاداً أن يكون هذا من عند الله، وسموه مثلاً استعارة من المثل المضروب استغراباً منهم لهذا العدد، والمعنى‏:‏ أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب‏؟‏ ومرادهم إنكار أصله وأنه ليس من عند الله، وتقدّم إعراب مثل هذه الجملة في أوائل البقرة‏.‏

الكاف في محل نصب، وذلك إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى، أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى، يضل الكافرين فيشكون فيزيدهم كفراً وضلالاً، ويهدي المؤمنين فيزيدهم إيماناً‏.‏ ‏{‏وما يعلم جنود ربك إلا هو‏}‏‏:‏ إعلام بأن الأمر فوق ما يتوهم، وأن الجزاء إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء عامرة بأنواع من الملائكة‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً» ‏{‏وما هي‏}‏‏:‏ أي النار، قاله مجاهد، أو المخاطبة والنذارة، أو نار الدنيا، أو الآيات التي ذكرت، أو العدّة التسعة عشر، أو الجنود، أقوال راجحها الأول وهي سقر، ذكر بها البشر ليخافوا ويطيعوا‏.‏ وقد جرى ذكر النار أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة‏}‏‏.‏ ‏{‏إلا ذكرى للبشر‏}‏‏:‏ أي الذين أهلوا للتذكر والاعتبار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 56‏]‏

‏{‏كَلَّا وَالْقَمَرِ ‏(‏32‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ‏(‏33‏)‏ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ‏(‏34‏)‏ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ‏(‏35‏)‏ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ‏(‏36‏)‏ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ‏(‏37‏)‏ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ‏(‏38‏)‏ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ‏(‏39‏)‏ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏40‏)‏ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏41‏)‏ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ‏(‏42‏)‏ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ‏(‏43‏)‏ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ‏(‏44‏)‏ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ‏(‏45‏)‏ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ‏(‏46‏)‏ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ‏(‏47‏)‏ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ‏(‏48‏)‏ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ‏(‏49‏)‏ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ‏(‏50‏)‏ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ‏(‏51‏)‏ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ‏(‏52‏)‏ كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ‏(‏53‏)‏ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ‏(‏54‏)‏ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ‏(‏55‏)‏ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏كلا‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ كلا إنكار بعد أن جعلها ذكرى، أن يكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يسوغ هذا في حق الله تعالى أن يخبر أنها ذكرى للبشر، ثم ينكر أن تكون لهم ذكرى، وإنما قوله‏:‏ ‏{‏للبشر‏}‏ عام مخصوص‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أو ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذير‏.‏ وقيل‏:‏ ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة جهنم‏.‏ وقيل‏:‏ ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هي صلة للقسم، وقدرها بعضهم بحقاً، وبعضهم بألا الاستفتاحية، وقد تقدم الكلام عليها في آخر سورة مريم عليها السلام‏.‏

‏{‏والقمر والليل إذ أدبر‏}‏‏:‏ أي ولى، ويقال دبر وأدبر بمعنى واحد‏.‏ أقسم تعالى بهذه الأشياء تشريفاً لها وتنبيهاً على ما يظهر بها وفيها من عجائب الله وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها‏.‏ وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وابن يعمر وأبو جعفر وشيبة وأبو الزناد وقتادة وعمر بن العزيز والحسن وطلحة والنحويان والابنان وأبو بكر‏:‏ إذا ظرف زمان مستقبل دبر بفتح الدال؛ وابن جبير والسلمي والحسن‏:‏ بخلاف عنهم؛ وابن سيرين والأعرج وزيد بن علي وأبو شيخ وابن محيصن ونافع وحمزة وحفص‏:‏ إذ ظرف زمان ماض، أدبر رباعياً؛ والحسن أيضاً وأبو رزين وأبو رجاء وابن يعمر أيضاً والسلمي أيضاً وطلحة أيضاً والأعمش ويونس بن عبيد ومطر‏:‏ إذا بالألف، أدبر بالهمز، وكذا هو في مصحف عبد الله وأبيّ، وهو مناسب لقوله‏:‏ ‏{‏إذا أسفر‏}‏، ويقال‏:‏ كأمس الدابر وأمس المدبر بمعنى واحد‏.‏ وقال يونس بن حبيب‏:‏ دبر‏:‏ انقضى، وأدبر‏:‏ تولى‏.‏ وقال قتادة‏:‏ دبر الليل‏:‏ ولى‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ودبر بمعنى أدبر، كقبل بمعنى أقبل‏.‏ وقيل‏:‏ هو من دبر الليل النهار‏:‏ أخلفه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ أسفر رباعياً؛ وابن السميفع وعيسى بن الفضل‏:‏ سفر ثلاثياً، والمعنى‏:‏ طرح الظلمة عن وجهه‏.‏

‏{‏إنها لإحدى الكبر‏}‏‏:‏ الظاهر أن الضمير في إنها عائد على النار‏.‏ قيل‏:‏ ويحتمل أن يكون للنذارة، وأمر الآخرة فهو للحال والقصة‏.‏ وقيل‏:‏ إن قيام الساعة لإحدى الكبر، فعاد الضمير إلى غير مذكور، ومعنى إحدى الكبر‏:‏ الدواهي الكبر، أي لا نظير لها، كما تقول‏:‏ هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، والكبر‏:‏ العظائم من العقوبات‏.‏

وقال الراجز‏:‏

يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر *** داهية الدهر وصماء الغير

والكبر جمع الكبرى، طرحت ألف التأنيث في الجمع، كما طرحت همزته في قاصعاء فقالوا قواصع‏.‏ وفي كتاب ابن عطية‏:‏ والكبر جمع كبيرة، ولعله من وهم الناسخ‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ لإحدى بالهمز، وهي منقلبة عن واو أصله لوحدى، وهو بدل لازم‏.‏ وقرأ نصر بن عاصم وابن محيصن ووهب بن جرير عن ابن كثير‏:‏ بحذف الهمزة، وهو حذف لا ينقاس، وتخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بين بين‏.‏

والظاهر أن هذه الجملة جواب للقسم‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أو تعليل لكلا، والقسم معترض للتوكيد‏.‏ انتهى‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏نذيراً‏}‏، واحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار، فيكون تمييزاً‏:‏ أي لإحدى الكبر إنذاراً، كما تقول‏:‏ هي إحدى النساء عفافاً‏.‏ كما ضمن إحدى معنى أعظم، جاء عنه التمييز‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو مصدر نصب بإضمار فعل، أي أنذر إنذاراً‏.‏ واحتمل أن يكون اسم فاعل بمعنى منذر‏.‏ فقال الزجاج‏:‏ حال من الضمير في إنها‏.‏ وقيل‏:‏ حال من الضمير في إحدى، ومن جعله متصلاً بقم في أول السورة، أو بفأنذر في أول السورة، أو حالاً من الكبر، أو حالاً من ضمير الكبر، فهو بمعزل عن الصواب‏.‏ قال أبو البقاء‏:‏ والمختار أن يكون حالاً مما دلت عليه الجملة تقديره‏:‏ عظمت نذيراً‏.‏ انتهى، وهو قول لا بأس به‏.‏ قال النحاس‏:‏ وحذفت الهاء من نذيراً، وإن كان للنار على معنى النسب، يعني ذات الإنذار‏.‏ وقال علي بن سليمان‏:‏ أعني نذيراً‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لأنذر، إذ هي من النار‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا القول يقتضي أن نذيراً حال من الضمير في إنها، أو من قوله‏:‏ ‏{‏لإحدى‏}‏‏.‏ قال أبو رزين‏:‏ نذير هنا هو الله تعالى، فهو منصوب بإضمار فعل، أي ادعوا نذيراً‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ نذير هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، فهو منصوب بفعل مضمر، أي ناد، أو بلغ، أو أعلن‏.‏ وقرأ أبيّ وابن أبي عبلة‏:‏ نذير بالرفع‏.‏ فإن كان من وصف النار، جاز أن يكون خبراً وخبر مبتدأ محذوف، أي هي نذير‏.‏ وإن كان من وصف الله أو الرسول، فهو على إضمار هو‏.‏ والظاهر أن لمن بدل من البشر بإعادة الجار، وأن يتقدم منصوب بشاء ضمير يعود على من‏.‏ وقيل‏:‏ الفاعل ضمير يعود على الله تعالى، أي لمن شاء هو، أي الله تعالى‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هو وعيد، نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏}‏ قال ابن عطية‏:‏ هو بيان في النذارة وإعلام بأن كل أحد يسلك طريق الهدى والحق إذا حقق النظر، إذ هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة بغفلته وسوء نظره‏.‏ ثم قوى هذا المعنى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كل نفس بما كسبت رهينة‏}‏‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏أن يتقدم‏}‏ في موضع الرفع بالابتداء، و‏{‏لمن شاء‏}‏ خبر مقدم عليه، كقولك لمن توضأ‏:‏ أن يصلي، ومعناه مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر‏.‏ والمراد بالتقدم والتأخر‏:‏ السبق إلى الخير والتخلف عنه، وهو كقوله‏:‏ ‏{‏فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏}‏‏.‏ انتهى، وهو معنى لا يتبادر إلى الذهن وفيه حذف‏.‏ قيل‏:‏ والتقدم‏:‏ الإيمان، والتأخر‏:‏ الكفر‏.‏ وقال السدي‏:‏ أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ أن يتقدم إلى المأمورات، أو يتأخر عن المنهيات، والظاهر العموم في كل نفس‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ كل نفس حقيق عليها العذاب، ولا يرتهن الله تعالى أحداً من أهل الجنة، ورهينة بمعنى رهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، وليست بمعنى مفعول لأنها بغير تاء للمذكر والمؤنث، نحو‏:‏ رجل قتيل وامرأة قتيل، فالمعنى‏:‏ كل نفس بما كسبت رهن، ومنه قول الشاعر‏:‏

أبعد الذي بالنعف نعف كويكب *** رهينة رمس ذي تراب وجندل

أي‏:‏ رمس رهن، والمعنى‏:‏ أن كل نفس رهن عند الله غير مفكوك‏.‏ وقيل‏:‏ الهاء في رهينة للمبالغة‏.‏ وقيل‏:‏ على تأنيث اللفظ لا على الإنسان، والذي أختاره أنها مما دخلت فيه التاء، وإن كان بمعنى مفعول في الأصل كالنطيحة، ويدل على ذلك أنه لما كان خبر عن المذكر كان بغير هاء، قال تعالى‏:‏ ‏{‏كل امرئ بما كسب رهين‏}‏ فأنت ترى حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن المؤنث أتى بالتاء، كما في هذه الآية‏.‏ فأما الذي في البيت فأنث على معنى النفس‏.‏ ‏{‏إلا أصحاب اليمين‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ هم الملائكة‏.‏ وقال عليّ‏:‏ هم أطفال المسلمين‏.‏ فعلى هذين القولين يكون استثناء منقطعاً، أي لكن أصحاب اليمين في جنات‏.‏ وقال الحسن وابن كيسان‏:‏ هم المسلمون المخلصون، ليسوا بمرتهنين لأنهم أدوا ما كان عليهم، وهذا كقول الضحاك الذي تقدم‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏إلا أصحاب اليمين‏}‏، فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق‏.‏ انتهى‏.‏ وظاهر هذا أنه استثناء متصل في جنات، أي هم ‏{‏في جنات يتساءلون‏}‏‏:‏ أي يسأل بعضهم بعضاً، أو يكون يتساءل بمعنى يسأل، أي يسألون عنهم غيرهم، كما يقال‏:‏ دعوته وتداعوته بمعناه‏.‏ وعلى هذين التقديرين كيف جاء ‏{‏ما سلككم في سقر‏}‏ بالخطاب للمجرمين، وفي الكلام حذف، المعنى‏:‏ أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً، أو يسألون غيرهم عن من غاب من معارفهم، فإذا عرفوا أنهم مجرمون في النار قالوا لهم، أو قالت لهم الملائكة‏:‏ هكذا قدره بعضهم، والأقرب أن يكون التقدير‏:‏ يتساءلون عن المجرمين قائلين لهم بعد التساؤل‏:‏ ‏{‏ما سلككم في سقر‏}‏‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ كيف طابق قوله‏:‏ ‏{‏ما سلككم‏}‏‏؟‏ وهو سؤال للمجرمين، قوله‏:‏ ‏{‏يتساءلون عن المجرمين‏}‏‏؟‏ وهو سؤال عنهم، وإنما كان يطابق ذلك لو قيل يتساءلون عن المجرمين ما سلككم‏؟‏ قلت‏:‏ ‏{‏ما سلككم‏}‏ ليس ببيان للتساؤل عنهم، وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم، لأن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون‏:‏ قلنا لهم ‏{‏ما سلككم في سقر‏}‏، ‏{‏قالوا لم نك من المصلين‏}‏، إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه‏.‏ انتهى، وفيه تعسف‏.‏ والأظهر أن السائلين هم المتسائلون، وما سلككم على إضمار القول كما ذكرنا، وسؤالهم سؤال توبيخ لهم وتحقير، وإلا فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار‏.‏

والجواب أنهم لم يكونوا متصفين بخصائل الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم ارتقوا من ذلك إلى الأعظم وهو الكفر والتكذيب بيوم الجزاء، كقولهم‏:‏ ‏{‏فلا اقتحم العقبة‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ثم كان من الذين آمنوا‏}‏ واليقين‏:‏ أي يقيناً على إنكار يوم الجزاء، أي وقت الموت‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ واليقين عندي صحة ما كانوا يكذبون من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخر‏.‏ وقال المفسرون‏:‏ اليقين‏:‏ الموت، وذلك عندي هنا متعقب، لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي‏.‏ وإنما اليقين الذي عنوا في هذه الآية الشيء الذي كانوا يكذبون به وهم أحياء في الدنيا فتيقنوه بعد الموت، وإنما يتفسر اليقين بالموت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعبد ربك حتى يأتيك اليقين‏}‏ ‏{‏فما تنفعهم شفاعة الشافعين‏}‏‏:‏ ليس المعنى أنهم يشفع لهم فلا تنفع شفاعة من يشفع لهم، وإنما المعنى نفي الشفاعة فانتفى النفع، أي لا شفاعة شافعين لهم فتنفعهم من باب‏:‏

على لاحب لا يهتدي بمناره *** أي‏:‏ لا منار له فيهتدي به‏.‏ وتخصيصهم بانتفاء شفاعة الشافعين يدل على أنه قد تكون شفاعات وينتفع بها، ووردت أحاديث في صحة ذلك‏.‏ ‏{‏فما لهم عن التذكرة‏}‏‏:‏ وهي مواعظ القرآن التي تذكر الآخرة، ‏{‏معرضين‏}‏‏:‏ أي والحال المنتظرة هذه الموصوفة‏.‏ ثم شبههم بالحمر المستنفرة في شدة إعراضهم ونفارهم عن الإيمان وآيات الله تعالى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حمر‏}‏ بضم الميم؛ والأعمش‏:‏ بإسكانها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ المراد الحمر الوحشية، شبههم تعالى بالحمر مذمة وتهجيناً لهم‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم‏:‏ ‏{‏مستنفرة‏}‏ بفتح الفاء، والمعنى‏:‏ استنفرها‏:‏ فزعها من القسورة؛ وباقي السبعة‏:‏ بكسرها، أي نافرة نفر، واستنفر بمعنى عجب واستعجب وسر واستسخر، ومنه قول الشاعر‏:‏

أمسك حمارك إنه مستنفر *** في إصر أحمرة عهدن لعرّب

ويناسب الكسر قوله‏:‏ ‏{‏فرّت‏}‏‏.‏ وقال محمد بن سلام‏:‏ سألت أبا سرار العتوي، وكان أعرابياً فصيحاً، فقلت‏:‏ كأنهم حمر ماذا مستنفرة طردها قسورة‏؟‏ فقلت‏:‏ إنما هو ‏{‏فرّت من قسورة‏}‏، قال‏:‏ أفرّت‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فمستنفرة إذن‏.‏ قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري وقتادة وعكرمة‏:‏ القسورة‏:‏ الرماة‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة وجمهور من اللغويين‏:‏ الأسد‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ رجال القنص، وهو قريب من القول الأول، وقاله ابن عباس أيضاً‏.‏ وقال ابن الأعرابي‏:‏ القسورة أول الليل، والمعنى‏:‏ فرّت من ظلمة الليل، ولا شيء أشدّ نفاراً من حمر الوحش، ولذلك شبهت بها العرب الإبل في سرعة سيرها وخفتها‏.‏

‏{‏بل يريد كل امرئ منهم‏}‏‏:‏ أي من المعرضين عن عظات الله وآياته، ‏{‏أن يؤتى صحفاً منشرةً‏}‏‏:‏ أي منشورة غير مطوية تقرأ كالكتب التي يتكاتب بها، أو كتبت في السماء نزلت بها الملائكة ساعة كتبت رطبة لم تطو بعد، وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لن نتبعك حتى يؤتى كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه‏:‏ من رب العالمين إلى فلان بن فلان، يؤمر فيها باتباعك، ونحوه

‏{‏لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه‏}‏ وروي أن بعضهم قال‏:‏ إن كان يكتب في صحف ما يعمل كل إنسان، فلتعرض تلك الصحف علينا، فنزلت هذه الآية‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏صحفاً‏}‏ بضم الصاد والحاء، ‏{‏منشرةً‏}‏ مشدّداً؛ وابن جبير‏:‏ بإسكانها منشرة مخففاً، ونشر وأنشر مثل نزل وأنزل‏.‏ شبه نشر الصحيفة بإنشار الله الموتى، فعبر عنه بمنشرة من أنشرت، والمحفوظ في الصحيفة والثوب نشر مخففاً ثلاثياً، ويقال في الميت‏:‏ أنشره الله فنشر هو، أي أحياه فحيي‏.‏

‏{‏كلا‏}‏‏:‏ ردع عن إرادتهم تلك وزجر لهم عن اقتراح الآيات، ‏{‏بل لا يخافون الآخرة‏}‏، ولذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يخافون‏}‏ بياء الغيبة؛ وأبو حيوة‏:‏ بتاء الخطاب التفاتاً‏.‏ ‏{‏كلا‏}‏‏:‏ ردع عن إعراضهم عن التذكرة، ‏{‏إنه تذكرة فمن شاء ذكره‏}‏‏:‏ ذكر في إنه وفي ذكره، لأن التذكرة ذكر‏.‏ وقرأ نافع وسلام ويعقوب‏:‏ تذكرة بتاء الخطاب ساكنة الذال؛ وباقي السبعة وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى والأعرج‏:‏ بالياء‏.‏ وروي عن أبي حيوة‏:‏ يذكرون بياء الغيبة وشد الذال‏.‏ وروي عن أبي جعفر‏:‏ تذكرون بالتاء وإدغام التاء في الذال‏.‏ ‏{‏هو أهل التقوى‏}‏‏:‏ أي أهل أن يتقي ويخاف، وأهل أن يغفر‏.‏ وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية فقال‏:‏ «يقول لكم ربكم جلت قدرته وعظمته‏:‏ أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل يتقى إله غيري، ومن اتقى أن يجعل معي إلهاً غيري فأنا أغفر له» وقال الزمخشري‏:‏ في قوله تعالى ‏{‏وما يذكرون إلا أن يشاء الله‏}‏، يعني‏:‏ إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه، لأنهم مطبوع على قلوبهم معلوم أنهم لا يؤمنون إختياراً‏.‏